
المقال الثاني : الملف تحت المجهر من منطوق الحكم إلى إجراءات التنفيذ
برقاش عبد العزيز
الحلقة الثالثة : عندما تتكلم الوثائق لا الروايات
في المنازعات العقارية، قد تختلف أقوال الأطراف، وقد تتعارض الروايات، لكن تبقى للوثائق الرسمية الكلمة الفاصلة.
ولهذا كان لا بد من العودة إلى أهم وثيقتين في هذا الملف: محضر التنفيذ وتقرير الخبرة.
فالغاية ليست إعادة سرد الوقائع، وإنما مقارنة ما ورد في هاتين الوثيقتين بما قضى به الحكم، لمعرفة ما إذا كان التنفيذ قد احترم حدوده القانونية، أم أنه تجاوزها. ومن خلال القراءة المتأنية، يتبين أن العقار موضوع المعاينة ليس فضاء خاليا أو قطعة أرض بسيطة، وإنما يتكون من معالم وحدود وبقع مختلفة، لكل منها أوصافها وحدودها المادية.
وهذه الأوصاف ليست تفاصيل ثانوية، بل هي أساس تحديد نطاق التنفيذ، لأن التنفيذ يجب أن ينصب فقط على الجزء الذي شمله الحكم، ولا يجوز أن يمتد إلى غيره. وعندما تتعدد البقع والمنشآت داخل العقار، يصبح واجب المنفذ أكثر دقة، إذ يلتزم بتمييز الجزء المشمول بالسند التنفيذي عن غيره، حتى لا تمس حقوق لم تكن محل قضاء.
ومن هنا تبرز أهمية الوصف الوارد في محضر التنفيذ وتقرير الخبرة. فكل حد، وكل معلم، وكل بقعة مذكورة في الوثائق، ليست مجرد أوصاف هندسية، بل تحمل أثرا قانونيا قد يحدد مشروعية التنفيذ أو يكشف عن تجاوزه.
ولهذا، فإن القراءة القانونية السليمة لا تكتفي بالنظر إلى النتيجة التي انتهى إليها التنفيذ، وإنما تبدأ من الوثائق نفسها، وتقارن بين منطوق الحكم وما جرى على أرض الواقع.
إن هذه المقارنة هي التي سترسم الصورة الحقيقية للقضية، بعيدا عن الانطباعات أو الادعاءات، واعتمادا على ما هو ثابت في المحاضر الرسمية.
ومن هذا المنطلق، ستخصص الحلقات المقبلة لتحليل كل بقعة وكل معلم ورد ذكره في محضر التنفيذ وتقرير الخبرة، مع بيان موقعه القانوني، وبيان ما إذا كان داخلا في نطاق الحكم أو خارجا عنه، ومدى انعكاس ذلك على سلامة إجراءات التنفيذ.
فالوثيقة الرسمية لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها؛ يكفي أن تُقرأ قراءة قانونية دقيقة حتى تظهر الحقيقة.وفي الحلقة الرابعة سنبدأ بأول بقعة ورد وصفها في محضر التنفيذ وتقرير الخبرة، مع نقل وصفها حرفيًا كما ورد في الوثيقتين، ثم تحليل دلالتها القانونية وعلاقتها بمنطوق الحكم.
الحلقة الرابعة : عندما تضاعفت مساحة التنفيذ
عندما تضاعفت مساحة التنفيذ بعد قراءة محضر التنفيذ وتقرير الخبرة، تبرز أول مفارقة يصعب تجاوزها.
فالحكم الجنحي، وهو السند التنفيذي الذي لا يجوز الخروج عن حدوده، يتحدث عن بقعة فلاحية مساحتها 2000 متر مربع غير أن مأمور التنفيذ لم ينطلق من هذه المعطيات، بل حرر محضره على أساس مختلف تمامًا.
فقد أثبت أولًا وجود بقعة فلاحية مشجرة بها حوالي ست أشجار زيتون، تبلغ مساحتها حوالي 3000 متر مربع، وحدد حدودها الأربع كما وردت في محضره.
ثم انتقل إلى بقعة ثانية، قدر مساحتها بحوالي 1000 متر مربع، وقام بجرد ما يوجد بها من مواد البناء والمنقولات المختلفة.
وهنا تتوقف القراءة القانونية أمام أول سؤال جوهري: من أين جاءت البقعة الأولى التي تبلغ مساحتها 3000 متر مربع؟
والسؤال الثاني أكثر أهمية: كيف أضيفت إليها بقعة ثانية مساحتها 1000 متر مربع، رغم أن الحكم يتحدث عن بقعة مساحتها 2000 متر مربع؟
فإذا كان الحكم قد حدد محل النزاع في بقعة مساحتها 2000 متر مربع، فإن محضر التنفيذ أصبح يتحدث عن بقعتين مستقلتين، مجموع مساحتهما حوالي 4000 متر مربع، أي ضعف المساحة التي يدور حولها الحكم.
أما تقرير الخبرة، فإنه لم يساير مأمور التنفيذ في حديثه عن بقعتين، وإنما سلك طريقًا آخر، فاعتبر أن الأمر يتعلق بعقارين (عبرتين زريعة)، ووصف أحدهما، بينما لم يحدد مساحة الآخر، وهو ما يفتح بدوره باب التساؤل حول الأساس الفني الذي اعتمده في هذا التقسيم. إن الأمر هنا لا يتعلق بخطأ في التعبير أو اختلاف في الألفاظ، وإنما يتعلق بتحديد محل التنفيذ نفسه.
فالسند التنفيذي لا يجوز توسيعه، ولا يجوز أن يتحول أثناء التنفيذ من بقعة مساحتها 2000 متر مربع إلى بقعتين مجموع مساحتهما 4000 متر مربع، إلا إذا كان هناك سند قانوني أو تقني واضح يبرر ذلك، وهو ما يقتضي بيانه صراحة.
ويبقى السؤال الذي سيلازم هذه القضية حتى نهايتها: هل كان مأمور التنفيذ ينفذ الحكم كما صدر، أم أنه أنشأ محلًا جديدًا للتنفيذ يختلف في المساحة والوصف عما ورد في السند التنفيذي؟
وفي الحلقة الخامسة، سننتقل إلى نقطة أكثر خطورة، وهي مقارنة الحدود الأربع للبقعة التي وصفها مأمور التنفيذ بالحدود الحقيقية للبقعة موضوع الحكم والرسم العقاري، لأن الحدود لا تكذب، وهي التي تكشف ما إذا كان التنفيذ قد وقع في العقار نفسه أم في عقار آخر.
:رابط المقال الثالث
https://ar.decouvrezmaroc.com/4653.html
رابط الفيديو كاملا
