
الجزائر في عزلة دبلوماسية أمام زحف الواقعية المغربية: بيان الخارجية يفضح مأزق المشروع الانفصالي
♦محمد خرطوف
في بيان يعكس حجم الارتباك السياسي الذي بات يخيم على أروقة النظام الجزائري، أعربت وزارة الشؤون الخارجية عن أسفها لموقف المملكة المتحدة الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء، وهو الموقف الذي شكل صفعة جديدة للمشروع الانفصالي الذي تراهن عليه الجزائر منذ عقود، فالبيان رغم محاولته المحافظة على لغة دبلوماسية، لم يستطع إخفاء نبرة الانزعاج والخذلان من التحول المتسارع في مواقف القوى الكبرى، والتي باتت ترى في المقترح المغربي حلا واقعيا وذا مصداقية وقابلا للتنفيذ، بعيدا عن أطروحات تجاوزها الزمن
المثير في هذا الخطاب الجزائري أنه لا يزال يكرر ذات المفردات التي استهلكت لعقود دون مراجعة نقدية، وكأن الزمن السياسي عند هؤلاء لا يتحرك، وكأن العزلة المتنامية التي بات يعيشها هذا النظام لم تعد كافية ليدرك حجم التحولات الدولية في مقاربة النزاعات الإقليمية، فأن يعتبر البيان أن مبادرة الحكم الذاتي مجرد وسيلة لكسب الوقت وفرض الأمر الواقع، هو تجاهل متعمد لكل ما حققه المغرب من تقدم ميداني، تنموي، ودبلوماسي في أقاليمه الجنوبية، ولما حظيت به هذه المبادرة من تزكية أممية صريحة كأرضية واقعية للحل، تكررت في كل قرارات مجلس الأمن منذ2007
البيان الجزائري يتناقض مع ذاته حين يعترف بأن لندن لم تعلن دعمها المباشر للسيادة المغربية على الصحراء، لكنه في ذات الوقت ينزعج من تأييدها لمقترح الحكم الذاتي، وهو ما يكشف أن المسألة بالنسبة للنظام الجزائري لم تعد مرتبطة بالدقة القانونية أو بتأويلات النصوص الشرعية الدولية، بل أصبحت ترتبط بالخوف الحقيقي من تآكل المشروع الانفصالي الذي تتبناه وتدعمه عسكرياً ودبلوماسياً ومادياً منذ نصف قرن، فالخطر في نظر صناع القرار “بالمرادية” لم يعد فقط في الاعتراف بالسيادة، بل في القبول العالمي المتزايد بمنطق الحكم الذاتي كصيغة واقعية لحل النزاع، وهو ما ينزع الشرعية تدريجياً عن أي مبرر للاستمرار في دعم كيان وهمي لا مستقبل له
يأتي هذا الرد الجزائري في لحظة دقيقة جداً، تبرز فيها المعالم الجديدة للعبة الدولية، حيث لم يعد من الممكن فرض رواية إيديولوجية على دول العالم تحت غطاء “حق الشعوب في تقرير المصير”، دون التوقف عند السياقات الواقعية والتاريخية للنزاعات، والمغرب، بدينامية ملكية هادئة ومتزنة، نجح في إقناع العالم بأن الحكم الذاتي ليس فقط حلاً سياسياً، بل خيار تنموي وإنساني وميداني يخدم مصالح الصحراويين في ظل السيادة المغربية، بعيداً عن أوهام الانفصال والمعسكرات و”التعسكرات” الفارغة و المغلقة
إن البيان الجزائري، في جوهره، لا يقول شيئاً جديداً، لكنه يعبر بوضوح عن مرحلة ما بعد الصدمة، حيث يفقد النظام الجزائري تدريجياً أدوات التأثير السياسي في ملف لطالما استثمر فيه لخلق توازن مصطنع مع الجار الغربي، والمفارقة أن ما تحاول الجزائر تسويقه كموقف مبدئي لم يعد يجد صداه إلا لدى قلة من الدول المترددة أو التي ما تزال توازن بين المصالح الاقتصادية والحسابات الجيوسياسية، أما الغالبية من شركاء العالم، فقد اختارت الواقعية، وانخرطت في دعم مبادرة مغربية واضحة المعالم، برؤية استراتيجية يقودها ملك يتمتع بكاريزما سياسية وقدرة نادرة على استباق التحولات الدولية
الرسالة الحقيقية التي يلتقطها المتابع من هذا البيان، ليست في مضمونه، بل في توقيته وأسلوبه، إنها رسالة نظام بات يشعر أن أرضيته الدبلوماسية تهتز تحت قدميه، وأن مشروعه الإقليمي في طريقه إلى الأفول، ومع كل دعم جديد لمبادرة الحكم الذاتي، تتقلص مساحات المناورة، ويزداد الشعور بالعزلة، وفي الوقت الذي يواصل فيه المغرب بناء تحالفات قوية وهادئة، تكتفي الجزائر بتسجيل مواقف اعتراضية، تبدو مع كل بيان أقل تأثيراً، وأكثر ارتباكا وحمقا و”بهللة

