
مراكش تُطلق نداءً عالمياً: من الالتزام إلى الفعل… معركة إنهاء عمل الأطفال تدخل مرحلة
بقلم يوسف بوحجلة
اختتمت، اليوم الجمعة 13 فبراير، بمدينة مراكش، أشغال المؤتمر العالمي السادس للقضاء على عمل الأطفال، الذي احتضنه قصر المؤتمرات على مدى ثلاثة أيام، بمشاركة أزيد من ألف مشارك ومشاركة يمثلون 187 دولة، في موعد دولي جسّد إجماعا متناميا حول ضرورة حماية الطفولة كمدخل أساسي للتنمية. ونُظم هذا الحدث تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، في تأكيد جديد على أن قضية الطفولة في المغرب ليست مجرد ملف اجتماعي ظرفي، بل خيار استراتيجي يندرج في صميم المشروع التنموي الوطني. ومنذ الجلسة الافتتاحية التي انعقدت يوم الأربعاء، برزت الرسالة المغربية واضحة في بعدها الإنساني والسياسي، حيث أكد وزير العمل اللبناني الدكتور محمد حيدر أن الرعاية الملكية لهذا الحدث الدولي تعكس إرادة سياسية راسخة تجعل حماية الأطفال أولوية وطنية، وركيزة لبناء مجتمع متوازن، مبرزا أن صون كرامة الطفل استثمار مباشر في مستقبل الأوطان ورأسمالها البشري. وعلى طاولة النقاش، طُرحت أرقام مقلقة تعكس حجم التحدي عالميا، إذ لا يزال نحو 138 مليون طفل منخرطين في سوق الشغل، بينهم 54 مليونا يزاولون أعمالا خطرة تهدد صحتهم وحياتهم، مع تسجيل أعلى المعدلات في القارة الإفريقية، ما يجعل الظاهرة عائقا بنيويا أمام تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية. وفي تشخيص أسباب الظاهرة، شدد المتدخلون على تشابك عوامل الفقر والهشاشة وضعف أنظمة الحماية الاجتماعية، إلى جانب تداعيات الأزمات والنزاعات والتغيرات المناخية، ما يفرض الانتقال من حلول جزئية إلى مقاربات مندمجة تعالج الجذور العميقة للمشكلة. وعند استعراض التجربة المغربية، برزت معالم مقاربة متعددة الأبعاد تقوم على الوقاية والزجر القانوني والتدخلات الميدانية، مدعومة بإصلاحات في التعليم والحماية الاجتماعية والتكوين المهني، وبرامج للحد من الفقر متعدد الأبعاد، في إطار رؤية تجعل الاستثمار في الإنسان رافعة أساسية للتنمية الشاملة. كما واصل المغرب ملاءمة منظومته القانونية مع المعايير الدولية، من خلال المصادقة على الاتفاقيات ذات الصلة، وتحديث الإطار التشريعي، وتعزيز دور مفتشية الشغل، وتقوية الشراكات مع المجتمع المدني، فضلا عن انخراطه الفاعل في التحالف الدولي الرامي إلى تحقيق الهدف 8.7 من أهداف التنمية المستدامة. وتعكس النتائج المحققة على أرض الواقع نجاعة هذه المقاربة، حيث سجلت عمالة الأطفال بالمغرب تراجعا يفوق 59 في المائة بين سنتي 2017 و2024، مع استمرار المنحى التنازلي حتى بعد جائحة كوفيد-19، إذ لم تتجاوز نسبة الأطفال المشتغلين سنة 2024 حوالي 1.3 في المائة من مجموع الفئة العمرية المعنية. وفي ختام أشغال المؤتمر، تعالت الدعوات إلى الانتقال من منطق الالتزامات إلى منطق الأثر الملموس، عبر ابتكار السياسات العمومية، وتوسيع المبادرات الناجحة، وضمان تكامل فعلي بين التعليم والحماية الاجتماعية وتمكين الأسر اقتصاديا. رسالة واضحة خرجت من مراكش مفادها أن القضاء على عمل الأطفال ليس حلما مؤجلا، بل معركة تنموية مستمرة تتطلب تعبئة دولية وإرادة سياسية تُترجم إلى نتائج ملموسة، تضمن لكل طفل حقه في حياة كريمة ومستقبل آمن.