**خالد مصباح
يعد تحقيق الفائض المالي في ميزانيات الجماعات الترابية بالمغرب مفارقة سوسيواقتصادية تستدعي وقفة تأملية عميقة، تتجاوز لغة الأرقام الصماء لتنفذ إلى جوهر النجاعة التنموية، ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون الفائض مؤشرا على حكامة مالية رشيدة وتحصيل جبائي متميز، يكشف الواقع الميداني، خاصة في المجال القروي، أن هذه “التخمة المالية” غالباً ما تخفي وراءها “هزالاً تنموياً” ناتجا عن سوء تقدير في التخطيط أو عجز بنيوي في التنفيذ، إن الفائض المالي، في المفهوم التقني، هو الفرق الإيجابي بين الموارد والنفقات، لكنه في المفهوم السياسي والاجتماعي قد يتحول إلى “دين أخلاقي” في ذمة المجالس المنتخبة حينما يتراكم في الحسابات البنكية بينما تعاني المداشر والقرى من غياب أبسط شروط الحياة الكريمة، إن المتأمل في واقع التدبير المحلي يجد أن هذا الفائض ليس دائما ثمرة لذكاء في تنمية الموارد الذاتية أو اجتهاد في جلب الاستثمارات، بل هو في كثير من الأحيان نتاج “تقليص قسري” للنفقات بسبب تعثر المساطر الإدارية، أو ضعف الكفاءة التقنية في إعداد المشاريع، أو غياب الرؤية الاستراتيجية التي تشرك الساكنة في تشخيص أولوياتها
فعندما تفتقر المؤسسات التعليمية للمرافق الأساسية وتظل المسالك الطرقية معطلة وتئن الساكنة تحت وطأة العطش، يصبح التباهي بالفائض المالي نوعاً من الترف التدبيري الذي يفتقد للسند الواقعي، ويتحول إلى دليل صريح على غياب الالتقائية بين البرامج الترابية والاحتياجات الحقيقية للمواطنين، تقتضي الحكامة الترابية الفعالة الانتقال من منطق “تصريف الميزانية” إلى منطق “صناعة الأثر”، حيث لا يجب أن يظل الفائض المالي غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق التحول المجالي المنشود، إن الرهان اليوم يتجاوز مجرد موازنة الحسابات؛ إذ المطلوب هو إرساء ديمقراطية تشاركية حقيقية تخرج التخطيط من المكاتب المغلقة إلى الميدان، لضمان أن كل درهم يتم توفيره هو قيمة مضافة لخدمات الصحة والتعليم والنقل
وفي الختام، يظل الفائض المالي الحقيقي هو ذلك الذي ينعكس في جودة حياة المواطن وفي تقليص الفوارق المجالية، أما الأرقام المتراكمة في ظل الخصاص، فهي ليست سوى شهادة على “سكتة تدبيرية” تستوجب إعادة النظر في السياسات المحلية لتكون أكثر استجابة لنبض الشارع وانتظارات الساكنة