من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العالم

شفرة الأحجية ولعنة الظل: قراءة في فلسفة العزلة والتوحد والانتماء عبر بوابة التحليل السلوكي التطبيقي ABA

** يوسف بوحجلة

بين يدينا وثيقة بصرية ونصية لا تكتفي بتقديم مراجعة لكتاب، لكن تفتح هوة سحيقة نطل منها على واحد من أعقد الإشكالات الوجودية والسيكولوجية: اضطراب طيف التوحد، ليس كتشخيص عيادي جامد، لكن كحالة كينونة متأرجحة بين “العزلة المطلقة” و”الضوء المشتهى” فمنذ الوهلة الأولى التي تقع فيها العين على غلاف كتاب الدكتور “نوح رابي”، نجد أنفسنا أمام اشتباك سيميائي عميق يعيد رسم خارطة الألم والأمل بجسارة نادرة

الغلاف، في صمته الناطق، هو معادل بصري لحالة “الاغتراب السيكولوجي”؛ فالطفل، هذا الكائن الغض الذي يفترض أن يكون وجهه مرآة للحياة، يتجلى هنا كـ “ظل” محاط برغوة لونية مضطربة، يكون هذا “المحو” المتعمد للوجه،  تمثيل فلسفي لعزلة “الذات المتوحدة” التي تعجز عن عكس صورة العالم، أو ربما تعجز عن استقبالها، وكأنه محكوم عليها بالعيش خلف زجاج عاكس يرى ولا يرى، يسمع ولا يسمع. إنه الظل الذي يخشى الضوء، لكنه يضيق بالعتمة في آن واحد، وفي غمرة هذا التلاشي البصري، تبرز قطع “الأحجية” و كاستعارة سوسيولوجية وفلسفية 

فالمجتمع، بتعقيداته ومعاييره الصارمة، يبدو أمام هذا الطفل كـ “أحجية” مستعصية الحل؛ قطع متناثرة من الأعراف واللغات والإيماءات التي لا تجد مكانا مناسبا لتركيبها في وعيه المنفرد، وفي المقابل، يبدو الطفل نفسه كقطعة مفقودة من أحجية العالم، قطعة ترفض الاندماج قسرا وتطالب بحقها في أن تفهم وفق سياقها الخاص

فالتوحد، في جوهره السيكولوجي والسوسيولوجي، هو فشل في الاندماج العفوي، وانكسار في جسر “البين-ذاتية” الذي يربط الأنا بالآخرين، وهنا يأتي دور الكتاب المتمثل في “التحليل السلوكي التطبيقي” ، كـ “مشرط” علمي لإعادة تشكيل الواقع، لا كطمس له، فبدلا من ترك الطفل غريقا في لجة الألوان الهلامية، يقدم الدكتور رابي، الحاصل على الدكتوراه من جامعة القاضي عياض، “الهيكل” و”القياس” كملاذ آمن، المخططات والرسوم البيانية في أعلى الغلاف تحيل إلى أن الطريق إلى عالم التوحد لا يمر عبر العاطفة الساذجة وحده، وانما عبر صرامة المنهج الذي يحول التيه إلى خطة، والصمت إلى لغة قابلة للتعلم

 إن استحضار المؤلف لبنية الأسرة المغربية، كنموذج حاضن، يعكس إدراكا سوسيولوجيا عميقا بأن العلاج لا يحدث في فراغ مختبري، وانما في قلب “الرحم الاجتماعي” الأول، فالكتاب في عمقه الفلسفي والسيكولوجي والسوسيولوجي كذلك، يمس الوجدان بقدر ما يخاطب العقل؛ إنه دليل عملي يحاول أن يفكك شفرة السلوك “الغامض” ليعيد تأويله كـ “رغبة دفينة في التواصل”

وبصدور هذا العمل، يضع الدكتور نوح رابي بين أيدينا خلاصة سنوات من المرافقة الإنسانية، مؤكدا أن التوحد ليس نهاية الطريق، بل بداية مسار يحتاج فقط إلى دليل بصير ومنهج سليم، لتتحول التحديات إلى قصص نجاح، وتتوج في نهاية المطاف بطفل أكثر قدرة على الانخراط في دفق الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى