** يوسف بوحجلة
لم يكن رفض القنصلية الإيطالية بالدار البيضاء منح تأشيرة سفر علمية للأستاذ الباحث زكرياء أكضيض مجرد إجراء إداري عابر خلف قضبان النوافذ الدبلوماسية؛ لكن هو تجسيد حي لأزمة بنيوية وشرخ عميق في فلسفة القانون الدولي الإنساني الذي طالما تغنى بحرية التنقل وحق الإنسانية المشترك في التنوير والمعرفة فالأستاذ الباحث بسلك القانون والعلوم الاجتماعية بجامعة القاضي عياض بمراكش، كان متوجها ببوصلته العلمية نحو مدينة بيرغامو الإيطالية للمشاركة في مؤتمر دولي ذي رمزية بالغة الحساسية حول “أخلاقيات الكتابة في السوسيولوجيا”، تحت لواء الجمعية الدولية لعلماء الاجتماع الناطقين بالفرنسية، وتكمن المفارقة السريالية في الصك البيروقراطي الذي بموجبه رُفض الملف، إذ عللت القنصلية قرارها بأن الدعوة “ليست صادرة عن مركز بحثي إيطالي”، وهو تبرير يمثل قراءة قاصرة لطبيعة الهيئات الأكاديمية العابرة للقارات والتي لا يمكن حبس مشروعيتها العلمية داخل حدود جغرافية لدولة بعينها، خصوصا وأن الأستاذ كان متسلحا بترخيص سيادي لمغادرة التراب الوطني صادر عن جامعته المغربية، وتذكرة عودة، وحجز فندقي، وتأمين دولي، وهي وثائق تجعل من فرضية “مخاطر الهجرة” منعدمة الأثر قانونا وعقلا ومن المنظور القانوني والحقوقي، يصطدم هذا السلوك الدبلوماسي العنيف جهارا مع المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واللتين تؤصلان للحق في حرية التنقل، وتكشفان كيف أن القوانين والاتفاقيات الدولية صيغت لتكون أداة طيعة في خدمة الإنسان وفي طليعته الأستاذ والمعلم والمكون؛ ذلك الكائن التنويري الذي يعول عليه لانتشال المجتمعات من دركات الجهل نحو سمو الأخلاق والعقلانية، وعندما تتحول شركات الوساطة والقنصليات إلى ما يشبه المحاكم التفتيشية التي تخضع النخب الأكاديمية لمساطر مرهقة ومذلة، فإنها تسقط من حيث “تدري” وعن وعي كامل الشرعية الإنسانية للقانون، وتحوله إلى مجرد أداة قمعية إقصائية تكرس التبعية والاستعلاء البنيوي بين الشمال والجنوب، وتنسف مبدأ المثاقفة وحوار الحضارات ومن المفارقات الساخرة هنا، أن المؤتمر يناقش “أخلاقيات السوسيولوجيا”، وكأن الجغرافيا السياسية أرادت أن تمنح الباحثين درسا عمليا قسريا في لا أخلاقية الحدود، وحرمان العقل المغربي من المساهمة في تفكيك الظواهر الاجتماعية الكونية، وهو ما يعد نوعا من الإقصاء المعرفي والخنق والحبس الفكري؛ فالأستاذ الجامعي في هذا السياق يمثل سفارة فكرية ومؤسسة علمية عمومية مغربية تحملت أعباءه المالية لتأكيد حضورها في الفضاء الأكاديمي الدولي إن هذا التشدد غير المبرر يسائل نجاعة القوانين الأوروبية المنظمة للتأشيرات، ويكشف كيف تفرغ التأويلات الإدارية الضيقة أسمى الشعارات، مثل الشراكة الأورو-متوسطية والتعاون العلمي، من مضامينها الحقيقية، لتطرح الواقعة تساؤلات حارقة على طاولة الدبلوماسية الثقافية والجامعية المغربية حول المدى الذي ستظل فيه النخب العلمية الوطنية رهينة مقاربات أمنية متوجسة تعامل المفكرين بمنطق المشتبه بهم، وكيف يمكن بناء فضاء معرفي مشترك بين ضفتي المتوسط إذا كانت أدوات العبور والاتصال محكومة بذهنية الانغلاق وحصار العقول إن حماية كرامة الأستاذ الجامعي والباحث المغربي هي جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية العلمية، ومواجهة هذا العبث البيروقراطي تقتضي فتح نقاش مسؤول، يفرض فيه الطرف المغربي شروطا تحترم قيمة المعرفة وتضمن انسيابية تنقل العقول بعيدا عن صدمات الإهانة
والاستعلاء الممنهج