** نفحات رمضانية الجزء2:
لم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مجرد حاكم توسعت في عهده رقعة الدولة، بل كان المهندس الأول لمنظومة الحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية في الإسلام، حيث أدرك بعبقريته الفطرية أن جوهر الدين لا يكتمل في المحاريب ما لم يتجسد واقعا في حياة الضعفاء والمهمشين، لقد حطم الفاروق الصنم الأكبر الذي طالما استعبد البشر، وهو صنم “تأليه الحاكم” وتبجيل السلطة على حساب الكرامة الإنسانية، مقدما للعالم فلسفة “الحاكم الخادم” في زمن كانت فيه عروش الأكاسرة والقياصرة تبنى على جماجم الرعية، إن صيحته المدوية “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟، لم تكن مجرد بلاغة لسان، بل كانت إعلانا دستوريا سابقا لعصره بقرون، رسخ من خلاله أن الحرية حق إلهي لا يملك كائن من كان انتزاعه أو المقايضة عليه
وبنظرته الثاقبة، أسس عمر ما يعرف في النظم الحديثة بـ “دولة الرعاية”، حيث لم يفرق في عطائه ومسؤوليته بين مسلم وذمي، فكان يرى في حاجة الشيخ اليهودي واجبا على بيت مال المسلمين انطلاقا من مبدأ المواطنة والعدل الإنساني المحض، قائلا قولته التي تفيض إنصافا: “ما أنصفناه، أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم”، لقد كان عمر يطوف الليالي “عسا” وتفقدا، لا بحثا عن زلة، بل استشعارا لثقل الأمانة التي جعلته يخشى محاسبة الخالق عن “بغلة عثرت في العراق”، وهو وعي سياسي وأخلاقي فريد يربط بين كفاءة البنية التحتية وبين النجاة في الآخرة
ولم يقف عند حدود الرقابة على نفسه، بل سن نظام المحاسبة الصارم لولاته، فكان يصادر الأموال الفائضة ويمنع استغلال النفوذ، محطما بذلك أي بذور لنمو “الطفيلات” السياسية التي تقتات على مقدرات الشعوب، وفي ذروة الانتصارات العسكرية، تجلت عبقريته العقائدية في عزل القائد الفذ خالد بن الوليد، لا تشكيكا في قدراته، بل حماية لعقول الناس من الفتنة بالأشخاص وربط النصر بغير الله، ليعلم الأمة أن المبادئ هي الباقية وأن الرموز مجرد وسائل في رحلة الحق
إن “العمرية” في جوهرها ليست مجرد سيرة تاريخية تحكى، بل هي نبض ديني صاف يعيد تعريف القوة بأنها القدرة على التواضع، وتعريف السلطة بأنها أداة لتحقيق الكفاية والعدل، بعيدا عن بريق المظاهر وترسبات الكبر التي شوهت مفهوم الحكم في كثير من العصور