ديكوفري ماروك
تحولت فاجعة انهيار المباني بمدينة فاس إلى أكثر من حادث مؤلم؛ إذ أعادت بقوة إلى الواجهة سؤال السكن اللائق وفعالية السياسات العمرانية في مواجهة تحديات الأحياء المكتظة. وبينما ما تزال التحقيقات القضائية جارية، تتعالى أصوات حقوقية ومدنية مطالبة بإعادة النظر في نموذج التدبير العمراني، واعتماد مقاربة تشاركية تجعل المواطن جزءًا من الحل لا مجرد متلقٍ للقرارات
في هذا السياق، شدد المجلس الوطني لحقوق الإنسان على أن الحق في السكن اللائق ليس امتيازًا اجتماعيًا، بل حق أساسي منصوص عليه دوليًا ودستوريا، محذرا من أن تكرار حوادث الانهيار يشكل مسا خطيرا بهذا الحق. ودعا المجلس إلى الكشف عن نتائج التحقيق وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب تعزيز آليات المراقبة والرصد الاستباقي للأخطار داخل الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية
الحادث الذي هزّ فاس لم يكن، في نظر العديد من الفاعلين الحقوقيين، معزولًا عن سياق أوسع عنوانه ضعف الحكامة وغياب الرقابة، كما يؤكد إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، الذي يرى أن الوقت حان للانتقال من “مقاربة عمودية” إلى نموذج تشاركي حقيقي يدمج السكان والفاعلين المحليين في التشخيص والتخطيط
فحسب السدراوي، استمرار السكن غير اللائق داخل برامج يفترض أنها بديل آمن، هو مؤشر على خلل عميق يهدد سلامة الآلاف. أما عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، فيربط الفاجعة بالإخفاقات التي رافقت تنزيل برنامج “مدن بدون صفيح”، رغم ما حققه من إنجازات مهمة خلال العقدين الماضيين
ويؤكد الخضري أن غياب المتابعة التقنية، وانتشار البناء الذاتي خارج الضوابط، وتغاضي بعض الجهات عن الإشارات المبكرة للهشاشة، كلها عوامل راكمت الخطر إلى أن تحول إلى كارثة
وتكشف هذه الحادثة، كما يرى العديد من المتابعين، عن ضرورة فصل البرامج الإسكانية عن المنطق الكَمّي القائم على إعلان المدن “خالية من الصفيح”، لصالح رؤية نوعية تُعطي الأولوية لسلامة البناء، واستدامة العيش، وجودة الخدمات الحضرية. فالسكن اللائق، وفق المعايير الدولية، لا يعني فقط جدرانًا وسقفًا، بل بيئة آمنة، ومرافق مكملة، ورقابة دائمة تضمن حقوق السكان
اليوم، يتجدد السؤال المركزي: هل تتحول فاجعة فاس إلى نقطة تحول نحو سياسة عمرانية أكثر صرامة وتشاركية؟ أم تبقى حادثة تُطوى مثل سابقاتها؟ بين هذين الاحتمالين، تبقى مسؤولية الدولة والجماعات المحلية والمجتمع المدني مشتركة في بناء نموذج عمراني يضع المواطن في قلب المعادلة، ويحول الحق في السكن الآمن من شعار إلى واقع يومي يسود مختلف المدن المغربية.