
فرنسا على حافة المجهول.. أزمة سياسية تكشف تصدعات الجمهورية الخامسة
محمد خرطوف
في كل أزمة سياسية كبرى، تبدو فرنسا وكأنها تعيد اختبار صلابة جمهوريتها الخامسة،اليوم، ومع ترنح حكومة بايرو أمام تصويت شبه محسوم على حجب الثقة، يجد الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه محاصا بين معارضة لا تعرف التنازل، واقتصاد يئن تحت ثقل الديون، وشارع يستعد للانفجار،إنها لحظة فارقة لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بما تطرحه من أسئلة مصيرية: هل لا يزال للنظام السياسي الفرنسي قدرة على امتصاص الصدمات، أم أن البلاد تقترب من زمن جديد يطوي صفحة التوازنات القديمة؟
تعيش فرنسا اليوم واحدة من أعقد لحظاتها السياسية منذ عقود، حيث تجد نفسها أمام منعطف قد يعيد رسم خريطة السلطة من جديد، حكومة فرنسوا بايرو مهددة بالسقوط في البرلمان مع تصويت شبه محسوم على حجب الثقة، في وقت تتراكم فيه أزمات البلاد المالية والاجتماعية، وتتصاعد الأسئلة حول مصير الجمهورية الخامسة وإلى أين يقود الرئيس إيمانويل ماكرون سفينة الحكم
منذ القرار المفاجئ لماكرون عام 2024 بحل الجمعية الوطنية، دخلت فرنسا في دوامة سياسية لم تهدأ بعد، لم يمنحه ذلك القرار الأغلبية، بل زاد المشهد تعقيدا، ليتوالى سقوط الحكومات دون أن يلوح في الأفق حل حقيقي، واليوم، ومع حكومة بايرو التي لم تكمل تسعة أشهر، يطفو على السطح سؤال أكبر:
هل فقد الرئيس القدرة على السيطرة على المعادلة السياسية برمتها؟
المعادلة تبدو شبه مستحيلة: يمين متطرف بقيادة مارين لوبن يتقدم بثبات في استطلاعات الرأي، يسار راديكالي يزداد تشددا ورفضا للتنازلات، ووسط “ماكروني” يتآكل شعبيا ولا يجد حلفاء موثوقين،أما الاشتراكيون، فقد وضعوا شروطا واضحة: المشاركة فقط في حكومة يسارية صافية، من دون ماكرونيين
هذا التموضع أو التموقع السياسي يعكس عمق الأزمة: خطوط حمراء متقابلة تجعل من فكرة تشكيل ائتلاف سياسي مستقر ضربا من الخيال،حيث الأزمة قد تجاوزت ماهو سياسي الى مالي واجتماعي في ذات الان، مشروع ميزانية 2026 الذي يقترح خفضا بقيمة 44 مليار يورو في النفقات لم يكن سوى الشرارة التي جمعت المعارضة بمختلف أطيافها ضد الحكومة
الدين العام تجاوز 114% من الناتج المحلي، التصنيف الائتماني مهدد بالخفض، والغضب الاجتماعي في الشارع يستعد للانفجار مع دعوات إلى الإضرابات والتظاهر تحت شعار “لنعرقل كل شيء”، إنها وصفة كاملة لزعزعة الاستقرار في قلب أوروبا، شعبية ماكرون بدورها وصلت أدنى مستوياتها منذ وصوله إلى الإليزيه في 2017، حيث يعبر 77% من الفرنسيين عن استيائهم من طريقة إدارته للأزمة
هذا الرقم يعتبر إنذار بأن الرئيس بات محاصرا سياسيا واجتماعيا في آن واحد، وأن أي خطوة خاطئة قد تفتح الباب أمام عودة قوية لليمين المتطرف عبر انتخابات تشريعية مبكرة، فيما سيناريوهات كثيرة أصبحت تطرح و كلها مريرة: سقوط حكومة بايرو شبه مؤكد، خيار حل الجمعية الوطنية مستبعد في الوقت الراهن لكنه حاضر في حسابات المعارضة، أما تعيين رئيس وزراء جديد فيبدو خطوة اضطرارية قد لا تغير الكثير أمام خريطة حزبية ممزقة
الأسماء المتداولة : من وزير الجيوش سيباستيان لوكورنو، إلى وزير العدل جيرالد دارمانان، وصولا إلى وزير الاقتصاد إريك لومبار ، قد تعكس بحث الإليزيه عن شخصية وسطية أو يمينية قادرة على امتصاص الصدمة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في غياب الثقة العامة في المؤسسة الرئاسية نفسها
الأزمة الفرنسية هي بالدرجة الاولة ،أزمة نظام سياسي يترنح أمام تحولات اجتماعية واقتصادية عميق،وما يزيد من خطورتها أن فرنسا تدخل مرحلة اضطرابات داخلية، بينما العالم ينظر إليها باعتبارها ركيزة في الاتحاد الأوروبي وحليفا رئيسيا في التوازنات الدولية،
ويبقى السؤال الحارق: هل يقود ماكرون فرنسا إلى مرحلة جديدة من الفوضى السياسية؟
أم ينجح قد ينجح ولو مؤقتا في إعادة ترتيب البيت الداخلي؟
الإجابة، كما يبدو، ستكتبها الأيام القادمة في شوارع باريس قبل أن تُحسم في أروقة البرلمان.

