** الـمصطفى الابيض
في مشهد إيماني مهيب، حبست له الأنفاسُ خشوعا، دثرته السكينة بأجنحتها، شهدت قرية با محمد بإقليم تاونات عرسا قرآنيا رائع الجمال، تنزلت فيه الرحمات كغيث مِدرار، حيث تلاحمت قلوب أهل الصلاح واليقين لتتويج “المنتخب الوطني لحفاظ كتاب الله”، كوكبة طاهرة من ذكور وإناث، تباركت خطاهم، رضعوا لِبان الهدى من ثدي ثلاث مدارس عتيقة، فنبتت أجسادهم على التقوى، وصارت أرواحهم قناديل ضياء يستضيء بها الوطن حين تنادي الروح وتناجي ربها: ألواح تخط بمداد اليقين، كان تجليا لربيع روحيٍ فاضتْ به جنبات الإقليم؛ تلوح في الأفق تلك الألواح الخشبية الصابرة، الشاهدة على سهر الليالي ومناجاة الأسحار، يحملها الصغار والشباب بكفوف طاهرة، وقد كتبتْ عليها آيات السَّكينة بمداد الإخلاص والوفاء في تلك اللحظات المباركة، كأنما كُشف الحجاب عن قلوبٍ تعلقت بالعرش، فصارتْ الأصوات الشجية هتافا سماويا يتردد صداه بين الجبال والوديان، يدعو اللهَ بلسان الافتقار والانكسار: “يا حي يا قيوم، اجعل القرآن لقلوبنا ربيعا، ولأبصارنا جلاء، ولأوطاننا أمنا وأمانا”
تبارك الرَّحمن في ملكوته.. الله يبارك في هذه الوجوه النّضرة، وفي تلك الأسر الصابرة المحتسب، وفي شيوخ وهبوا أعمارهم لتلقين كلمة الله، فجعلوا من الصدور مصاحفَ حية تمشي على الأرض» هذه المشاهد المهيبة التي امتزجتْ فيه دموع الفرح بزغاريدِ الأمهات ودعاء الآباء، يرسخ الدور الوجودي التليد الذي تضطلع به المدارس العتيقة في المغرب، هذه القلاع الروحية الحصينة التي ما فتئت تذود عن حمى العقيدة والهوية الوطنية، أثبتت دائما أنها المعين الصافي الذي لا ينضب، والرافد الحقيقي لتخريج جيل متوازن يجمع بين جلال النص القرآني وقيم المواطنة الحقة
لقد بدا الحفاظ والحافظات، بلباسهم الأبيض الناصع الذي يحاكي نقاء سرائرهم، كأنه عهد متجدد يرفع إلى مقام العلي القدير، بأن يظل هذا البلد الأمين مهد الصالحين، ومشرق أنوار السيرة المحمدية العطرة ونحن إذ ننقل هذا الحدث الجليل، لا يسعنا إلا أن نرفع الأكف تضرعا بالقبول والبركة لهؤلاء الفتية والفتيات الذين هجروا ملاذ الدنيا واعتصموا بحبل الله المتين. بارك الله في غراسهم، وشيد الله بيوتا ربتهم على الفضيلة، وأجزل العطاء لشيوخهم الأجلاء الذين فتنوا قلوبهم بعشق الآيات الكريمات، إنهم بحق درع الوطن الروحي، ونوره المستبين وبهم تفيض البركات، وتندفع الكروب، ويحفظ الله مغرب الأصالة والجمال