** يوسف بوحجلة
في ليلة لم يكن ضوؤها من قنديل، لكن هو فيض التنزيل، وفي رحاب القاعة الكبرى بقطب المواطن بالمحاميد، سطعت سحائب النور لتغسل أرواحا طالما ظمئت لسلسبيل الذكر الحكيم، هناك، حيث تآخت الحروف مع القلوب، أقامت جمعية باب الخير للتنمية المستدامة “الحفل الختامي لمصلى مراكش الكبرى” في نسخته السادسة؛ حفل كان وقفة إجلال أمام “سدنة الوحي” الذين جعلوا من حناجرهم قناطر تعبر عليها الأرواح من ضجيج المادة إلى سكينة الملكوت
لقد كان هؤلاء القراء والمشايخ، الذين اصطفاهم الله ليحملوا بين ضلوعهم ميزان القسط، بمثابة “مزامير الروح” في صحراء النفس البشرية؛ فبينما كانت الأبدان ساجدة فوق تراب المصلى، كانت الأرواح تحلق في آفاق “سدرة المنتهى” بأجنحة من تراتيلهم، هم الذين استعاروا من الصبح أنفاسه ليتلوا “والضحى”، ومن الليل هدوءه ليرتلوا “والليل إذا سجى”، فاستحالت حناجرهم “مزامير داوودية” تذيب حجر القلوب الصلدة، وتعيد ترتيب فوضى النفوس على إيقاع التجويد ومخارج الحروف التي تخرج كاللؤلؤ المكنون
إن دلالة هذا التكريم تتجاوز الاحتفاء بالأشخاص لتصل إلى الاحتفاء بـ”التغذية الروحية” التي هي عماد البقاء، ففي زمن ضجت فيه الماديات، صار القارئ هو “المؤتمن على المائدة السماوية”، يقدم للناس قوتا لا ينفد، وريا لا يظمأ بعده وارد، القراء في مصلى مراكش الكبرى كانوا “نحاة للقلوب” و”مهندسين للأرواح”، يعيدون بناء الإنسان بالقرآن، ويحولون ليل مراكش البهيم إلى نهار قوامه “آيات الكتاب الحكيم”
لقد شهد هذا الحفل الختامي بزوغ شمس الوفاء لهؤلاء الذين “وهبوا له الأرواح والأبدان”؛ فجاءت لحظة التكريم كغيث يروي غراس الجهد، وتتويجا لمسيرة لم يكن هدفها نيل الألقاب، وحين اعتلى هؤلاء القراء المنصة، رأينا في وجوههم هيبة “حملة العرش” ووقار “أهل الله وخاصته”، مؤكدين أن مراكش، بسبعة رجالها ومآذنها الشامخة، ستظل دائما “محرابا للذكر” و”قلعة للقرآن” لا تغيب عنها شمس التلاوة ولا الذكر
إن النسخة السادسة لمصلى مراكش الكبرى ليست مجرد رقم في سجل الجمعية، هي “عقد سادس” في جيد المدينة الحمراء، وشاهد على أن القرآن الكريم سيظل هو “البوصلة” التي تضبط إيقاع المجتمع، وأن القراء الكرام هم “المنارات” التي تضيء دروب السائرين نحو مرضاة رب العالمين