** مصطفى الأبيض
تستفيق الجغرافيا السياسية في عام 2026 على حقيقة هيكلية لم تعد تقبل التأويل؛ فالنماذج التقليدية للأمن الطاقي التي جعلت من مضيق هرمز الشريان الأوحد لنبض الاقتصاد العالمي باتت تواجه مراجعات جذرية ومصيرية، لذا فالاستفهام الكبير الذي يطرحه الفاعلون الدوليون اليوم في دوائر صنع القرار هو حول ماهية “البدائل الوجودية” التي يمكنها امتصاص الصدمات الكبرى وفي هذا السياق، يبرز “ميناء الناظور غرب المتوسط” بالمملكة المغربية الشريفة كواحد من أكثر المشاريع الاستراتيجية طموحا وقدرة على إعادة رسم خريطة التدفقات الكونية، كصمام أمان جيوسياسي في عالم يتسم بالسيولة وعدم اليقين
إن قراءة المشهد من منظور “السياسات او الجيوسياسات الدولية” تستوجب أولاً تفكيك أسطورة “الارتهان الأبدي”؛ فمضيق هرمز، رغم كونه يعبر منه قرابة 21 مليون برميل من النفط يوميا، يظل “عنق زجاجة” يعاني من هشاشة بنيوية ناتجة عن التجاذبات الإقليمية المستمرة، هذه الهشاشة هي التي دفعت القوى العظمى والشركات العابرة للقارات للبحث عن “ملاذات لوجستية آمنة” خارج مناطق التماس الملتهبة هنا يتقاطع الطموح المغربي مع الضرورة الدولية، حيث يقدم ميناء الناظور غرب المتوسط نفسه كقطب طاقي ولوجستي فريد يكسر احتكار الممرات التقليدية
فالمشروع لا يكتفي بكونه ميناء عميقا لاستقبال الجيل الجديد من الناقلات، لكنه أيظا مجمع صناعي متكامل يضم مناطق لتخزين المحروقات بقدرات استيعابية هائلة تصل إلى 25 مليون طن، ما يجعله بمثابة “مخزن استراتيجي” يتوسط الخطوط البحرية الرابطة بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب ما يميز البديل المغربي في هذه المعادلة الدولية هو “عبقرية الموقع” المقترنة بـ “الاستقرار السيادي”؛ فبينما يظل مضيق هرمز رهينة لصراعات القوى الإقليمية، يتموضع ويتموقع ميناء الناظور في منطقة نفوذ مستقرة تطل على البحر الأبيض المتوسط وقريبة من مضيق جبل طارق، مما يوفر سلاسة في العبور وتكلفة أقل في التأمين والمخاطر
إن التحليل العميق والرؤية الاستراتيجية البعيدة لهذه المعادلة يشير إلى أن العالم يتجه نحو “اللامركزية اللوجستية”؛ حيث لم يعد مقبولا أن يتوقف إنتاج المصانع في أوروبا أو تتجمد الحركة في المحيط الأطلسي بسبب مناوشة عسكرية في الخليج العربي، ومن هنا، يبرز ميناء الناظور كجزء من رؤية ملكية بعيدة المدى حولت المغرب إلى “دولة محور” او “بيفوت ستيت”، تربط القارة الإفريقية بالعمق الأوروبي، وتوفر للعالم منصة طاقية لا تخضع لابتزاز المضايق المغلقة علاوة على ذلك، فإن سبر أغوار هذا التحول يكشف عن تكامل استراتيجي بين الموانئ المغربية الكبرى، فالتوأمة الوظيفية بين طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط تخلق “حزاما سياديا” يسيطر على أهم تقاطع بحري في العالم
وفي ظل المشاريع الموازية مثل خط أنابيب الغاز النيجيري-المغربي والربط القاري بين إفريقيا وأوروبا، يصبح ميناء الناظور المحطة النهائية والمركزية لتحويل الطاقة وتصديرها، فاقتصاد العالم في عام 2026 بدأ ينظر إلى السواحل المغربية باعتبارها “الرئة الجديدة” التي تضمن تنفس التجارة العالمية بعيدا عن غبار الحروب التقليدية إن الإجابة على جدلية الارتهان او الارتكاز بعميائية على مضيق هرمز تكمن في قدرة الدول على ابتكار “بدائل ذكية” تتجاوز الجغرافيا الضيقة إلى الفضاءات الجيوسياسية الرحبة، والمملكة المغربية، من خلال استثمارها السيادي في ميناء الناظور، تؤسس لنظام عالمي جديد يكون فيه الاستقرار والأمان اللوجستي هما العملة الصعبة
إننا أمام زلزال في المفاهيم الاستراتيجية، حيث يبدأ الغرب والشرق في إدراك أن مفاتيح الأمن الطاقي القادم قد لا توجد في مضايق الشرق المهددة، بل في “البوابة الأطلسية المتوسطية” للمملكة المغربية الشريفة، التي تقدم للعالم نموذجا ملهما في تحويل الموقع الجغرافي إلى قوة سياسية واقتصادية عظمى