
بين “الميرينوس” الإسباني وجيوب المغاربة.. هل تنجح خطة الطوارئ في خفض أسعار اللحوم قبل العيد؟
برقاش عبد العزيز
خلف أبواب الموانئ المغربية التي لا تهدأ، وتحديداً في رصيف ميناء طنجة المتوسط، كانت الأضواء الكاشفة تسلط ليلًا على مشهد غير مألوف في مثل هذه الفترة من السنة
. بواخر ضخمة تفتح بواباتها لتخرج منها شحنات متتالية من الأغنام الإسبانية، في مشهد يختزل فصول “خطة طوارئ” صامتة تقودها الجهات المعنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في سوق اللحوم الحمراء الملتهب.
على رأس هذه الشحنات، تبرز سلالة “الميرينوس” الإسبانية الشهيرة بجودة لحومها وصوفها، والتي يعول عليها المغرب اليوم لكسر شوكة الأسعار التي بلغت مستويات غير مسبوقة، أثقلت كاهل الأسر المغربية وحولت اللحوم الحمراء لدى البعض إلى “مادة للفرجة” فقط.
أرقام في الميزان: قطرات في بحر الاستهلاك؟
المعطيات المتوفرة والأكثر تداولاً تشير إلى أن هذه الدفعة الأولى ضمت آلاف الرؤوس من الأغنام، تم توجيهها على وجه السرعة نحو الأسواق والمناطق الداخلية للمملكة.
ورغم أن الرقم يبدو متواضعاً مقارنة بحجم الاستهلاك الوطني، إلا أن الرسالة الاقتصادية من ورائه واضحة: “تنويع مصادر التزويد وكسر الاحتكار لفرض توازن قسري بين العرض والطلب”.
وتأتي هذه الخطوة الاستباقية في ظرفية حساسة للغاية؛ فالعد التنازلي لعيد الأضحى قد بدأ، وهو الموعد السنوي الذي يشهد ذروة الاستهلاك والضغط على القطيع الوطني. والهدف المعلن هو ضخ دماء جديدة في عروق السوق المحلية المتصلبة، وتخفيف الضغط الرهيب على القدرة الشرائية للمواطنين.
الجدل الكبير: مسكنات مؤقتة أم حلول مستدامة؟
لكن، وكما يقال في عالم الصحافة، “الشيطان يكمن في التفاصيل”. فرغم الطابع الاستعجالي والإنقاذي لهذه الخطوة، إلا أنها فجرت موجة عارمة من الجدل والنقاشات الساخنة في الصالونات المهنية ولدى جمعيات حماية المستهلك، ويمكن تلخيص هذا الانقسام في نقطتين جوهريتين:
مفارقة الدعم المالي: يتساءل مهنيون ومتابعون باستغراب؛ كيف تخصص الدولة دعماً مالياً مباشراً للمستوردين لجلب الأغنام من الخارج، في حين يعاني “الكساب” (المربي) المحلي من توالي سنوات الجفاف وغلاء الأعلاف؟ أليس الأولى دعم المنتج المحلي لضمان سيادة غذائية مستدامة؟
معادلة النجاعة: يطرح الخبراء سؤالاً مشروعاً: هل تستطيع بضعة آلاف من الرؤوس المستوردة أن تحدث أثراً حقيقياً وملموساً في بورصة الأسعار المشتعلة، أم أنها مجرد “مهدئات” مؤقتة ينتهي مفعولها بانتهاء العيد؟
ترقب في الأسواق
بين أرقام المستوردين وتوجس المهنيين، يبقى المواطن المغربي البسيط هو الحلقة الأهم في هذه المعادلة؛ يراقب شاشات الأخبار، ويتابع حركة الشاحنات المحملة بـ”الميرينوس”، متمنياً أن تنجح هذه المغامرة في إعادة اللحوم إلى مائدته دون أن تفرغ ما تبقى في جيبه.
الأيام القليلة القادمة ستكون هي الحكم الحقيقي، وستكشف ما إذا كانت الموانئ قد استقبلت حلولاً فعلية للأزمة، أم مجرد أرقام عابرة في أزمة هيكلية أعمق.