
تحالف الغاز على خط الرباط-أبوجا: إفريقيا تعيد رسم خريطتها الجيوسياسية
♦م.خرطوف
في صمت استراتيجي يحاكي دقات التاريخ على ابواب المستقبل، شهدت الرباط يومي 10 و11 يوليوز اجتماعات رفيعة المستوى همت مشروع انبوب الغاز الافريقي الاطلسي، الذي تحول من فكرة طموحة الى هندسة ميدانية ملموسة، تأخذ بيد القارة نحو مصير جديد، حضور لافت لمدراء الشركات الوطنية للبترول من الدول المعنية، ووفود تمثل مفوضيات البنية التحتية والطاقة في مجموعة سيدياو، يعكس الاهمية المتصاعدة لهذا المشروع، ليس فقط كممر للطاقة، بل كدعامة لوحدة القرار الافريقي وتكامل الاقتصاد الاقليمي.
المعطيات الميدانية تؤكد ان المشروع تجاوز مرحلة التصورات، وانخرط في التفاصيل التقنية والبيئية والاجتماعية، بعد استكمال الدراسات الهندسية والمسح البيئي لجزئه الشمالي، في حين تستمر الاشغال البحثية للجزء الجنوبي الممتد من نيجيريا الى السنغال، بقدرة ضخ تقدر بـ30 مليار متر مكعب سنويا، وشبكة بنية مؤسساتية تعتمد حكامة متقدمة من خلال شركة قابضة تتولى الاشراف على شركات متخصصة حسب كل مقطع، كلها مؤشرات على جدية المسار ودقة التخطيط.
وقد شكل اعتماد الاتفاق الحكومي الدولي في قمة سيدياو ديسمبر الماضي،محطة فارقة في ترسيخ التزامات الدول وضمان الاستمرارية المؤسساتية للمشروع،والمثير في هذه الدينامية المتصاعدة،توقيع مذكرة تفاهم جديدة تنضم بموجبها الشركة التوغولية للغاز رسميا الى التحالف الاستراتيجي، لتكمل سلسلة الانضمامات التي باتت تشكل خريطة تعاون طاقي افريقي بملامح سيادية،
الرباط، في هذا السياق، لم تكن مجرد منصة للاجتماعات، بل تحولت الى مسرح يعكس روح الشراكة جنوب-جنوب، التي دعا اليها جلالة الملك محمد السادس منذ اطلاق المشروع سنة 2016 بمعية القيادة النيجيرية، روح تتجاوز الاعتبارات التقنية، لتلامس عمق القيم الافريقية المشتركة، وترد على تحديات التبعية الطاقية والنزاعات الجيوسياسية، برؤية قارية موحدة،
الانبوب، الذي سيمتد من نيجيريا الى المغرب، مرورا بـ13 دولة على طول الساحل الاطلسي، لا يشكل فقط شريانا لنقل الغاز، بل طريقا اقتصاديا جديدا يحمل في طياته فرص التشغيل، ومجالات استثمار متنوعة، وامكانات للتزويد بالغاز لدول الساحل كمالي والنيجر وبوركينا فاسو، ومن المنتظر ان يعيد هذا المشروع رسم توازنات القوى في سوق الغاز، ويمنح افريقيا صوتا جديدا في معادلات الطاقة الدولية،خاصة في ظل الاضطرابات المتزايدة في الاسواق الاوروبية والبحث المستمر عن شركاء طاقيين موثوقين.
انه مشروع لا يقاس بالكيلومترات او بمليارات الامتار المكعبة، بل بقدرته على بناء الثقة بين دول كانت بالامس رهينة الحدود واللغة والارث الاستعماري، وها هي اليوم تتحدث بلغة المصالح المشتركة والمستقبل المندمج. فالغاز هنا لم يعد فقط موردا اقتصاديا، بل صار اداة لبناء السلام، وتحصين الاستقرار، وتحقيق الكرامة الطاقية لشعوب تبحث عن العدالة في ابسط صورها: الانارة والتدفئة والتصنيع