
العالم
سلطة الرقم 5757: حينما تصبح اليقظة الاستهلاكية عقيدة مجتمعية في رمضان
** اليوسفية// ادريس محراش
بين طقوس الروحانية التي تظلل سماء إقليم اليوسفية ومعادلات السوق التي تحكمها لغة الأرقام والطلب، يأتي إعلان عمالة الإقليم عن إعادة تفعيل الرقم الوطني المختصر 5757 ليتجاوز كونه إجراء إداريا موسميا، بل هو استدعاء لآلية رقابية تتقاطع فيها الخلفيات الإبستمولوجية (المعرفية) والسياسية والدينية في بوتقة واحدة،
إبستمولوجيا، يمثل هذا الرقم تحولا في “بنية المعرفة الرقابية”؛ فالمراقبة لم تعد فعلا فوقيا تمارسه السلطة من أبراجها العاجية، بل أصبحت “معرفة تشاركية” تنبع من قلب الميدان، حيث يتحول المستهلك من مجرد “متلق” سلبي للسلعة إلى “راصد” يمتلك أدوات التحقق والإبلاغ
إننا أمام إعادة صياغة لمفهوم الحقيقة في السوق، حيث الخبر اليقين لا يأتي فقط من تقارير اللجان، بل من عين المواطن التي لا تنام، ومن الزاوية السياسية، يعكس هذا الإجراء “سيادة الدولة على الفضاء العام” في لحظات الذروة؛ فالدولة عبر عمالة اليوسفية تؤكد حضورها كحكم وضامن للتوازن الاجتماعي، معيدة الاعتبار لمفهوم “الأمن الغذائي” كجزء لا يتجزأ من الاستقرار السياسي، خاصة في سياق عالمي محكوم بتقلبات الأسعار وضغوط سلاسل الإمداد،
اجتماعيا، يكرس الرقم 5757 نوعا من “التعاقد التضامني”؛ فهو يكسر جدار العزلة بين الإدارة والمواطن، ويمنح الفئات الهشة صوتا مسموعا في مواجهة تغول المضاربين، مما يعزز السلم الاجتماعي ويحول دون تحول الضغط المعيشي إلى احتقان ميداني،أما من المنظور الديني والروحاني، فإن تفعيل هذه الآلية مع إطلالة شهر رمضان لعام 1447 هـ يمنح مفهوم “المحتسب” بعدا حداثيا رقميا؛ فرمضان في الجوهر هو شهر العفة والاستقامة، والضرب على أيدي العابثين بقوت الناس هو ممارسة لجوهر المقاصد الشرعية التي تحرم الغش والتدليس واحتكار الأقوات
إن خلية المداومة التي أحدثتها عمالة اليوسفية، والتي تمتد ساعات عملها لتغطي بياض النهار الصائم، هي في العمق ترجمة لمبدأ “الأمانة” في تدبير الشأن العام، حيث تلتقي صرامة القانون مع نبل المقصد الديني، إن نجاح هذه التجربة في اليوسفية يظل رهينا بمدى استيعاب المواطن لدوره كحارس للقيم قبل أن يكون باحثا عن السعر الأقل، وبقدرة الإدارة على تحويل “الشكاية الهاتفية” إلى “أثر ملموس” على رفوف المحلات، ليكون الرقم 5757 هو “الترمومتر” الحقيقي الذي يقيس نضجنا المجتمعي في المزاوجة بين حق الاستهلاك وواجب المواطنة
