
المقال الاول : الملف تحت المجهر من منطوق الحكم إلى إجراءات التنفيذ
هيئة التحرير
الحلقة الاولى .. عندما تغير وصف العقار
بدأ كل شيء هناك ملفات قضائية تُحسم بمجرد صدور الحكم
وهناك ملفات لا تبدأ قصتها الحقيقية إلا بعد صدور الحكم
هذا واحد من تلك الملفات
في ربيع سنة 2023، لم يكن النزاع المعروض على المحكمة يتعلق ببيع مواد البناء، ولا بحجز المنقولات، ولا بالمزاد العلني، ولا بتقسيم العقارات
كان موضوعه أبسط من ذلك بكثير. كانت المحكمة تناقش واقعة محددة. هل قام محمد أمزيل بالترامي على بقعة أرضية وحرثها؟ هذا هو السؤال الذي دار حوله النقاش القضائي
وبعد سماع الأطراف والشهود، أصدرت محكمة الاستئناف بمراكش قرارها عدد 6557/2025 بتاريخ 30 أبريل 2025 في الملف عدد 409/2602/2025، وهو القرار الذي أصبح فيما بعد سندًا للتنفيذ في الملف التنفيذي عدد 2025/6201/5214.
حتى هذه المرحلة، تبدو الصورة واضحة. حكم. ثم تنفيذ. لكن هل بقي التنفيذ مطابقًا لما حكم به القضاء؟ هنا تبدأ القصة الحقيقية. —
بعد فتح الملف التنفيذي، أصدرت المحكمة أمرًا بإجراء خبرة، وأسندت المهمة إلى الخبير القضائي عبد القادر سفيان، لمساعدة مأمور التنفيذ في تنفيذ القرار القضائي. انتقل الخبير إلى عين المكان. عاين العقار. ثم دوّن وصفه في تقريره. ولأن هذه السلسلة تقوم على الوثائق لا على الروايات، فإننا ننقل ما كتبه حرفيًا
كتب الخبير: > “العقار موضوع التنفيذ هو منقسم جزئين، الجزء الأول عبارة عن بقعة يوجد بها منزل وبئر وصهريج مهدوم يوجد أمامه نوافذ أراضٍ البناء، أما الجزء الثاني فهو عبارة عن أرض فلاحية محروثة بها أشجار الزيتون عددها 06 أشجار تقريبًا”
ثم أضاف:
> “الجزء الثاني… عبارة عن أرض فلاحية محروثة بها أشجار الزيتون عددها 06 أشجار تقريبًا، مساحة معبر عنها عبرتين تقريبًا.” عند قراءة هذا الوصف، يفهم القارئ أن الخبير يتحدث عن عقار واحد، لكنه منقسم إلى جزأين
ولم يذكر أنه أمام بقعتين مستقلتين. — مرت الأشهر. وجاء يوم التنفيذ. حرر مأمور التنفيذ محضره الرسمي، وأكد في بدايته أنه يعتمد على ما حدده الخبير. لكن عند قراءة وصف العقار، تظهر أول مفاجأة في الملف. إذ كتب مأمور التنفيذ: > “العقار موضوع التنفيذ عبارة عن بقعتين…” ثم فصل ذلك بقوله: > “الأولى بقعة فلاحية مشجرة بـ06 أشجار الزيتون مساحتها تقريبًا 3000 متر مربع
” وأضاف: > “البقعة الثانية مساحتها حوالي 1000 متر مربع، غير مشجرة، بها مسكن وبئر مهدوم…” — عند هذه النقطة، لا يحتاج القارئ إلى تفسير. يكفي أن يضع الوثيقتين جنبًا إلى جنب
الخبير يقول: عقار واحد… منقسم إلى جزأين. أما مأمور التنفيذ فيقول: بقعتان
الخبير يتحدث عن: “عبرتين تقريبًا”. أما مأمور التنفيذ فيتحدث عن: 3000 متر مربع.
وهنا يطرح الملف بنفسه أول سؤال: هل بقي وصف العقار كما كان عندما عاينه الخبير، أم أن وصفه تغيّر عند تحرير محضر التنفيذ؟ لسنا هنا لنجيب عن هذا السؤال.بل لنضع الوثائق أمام القارئ كما هي. أما الجواب، فهو ما تنتظره الأطراف من القضاء في دعوى إبطال التنفيذ.
الحلقة الثانية: عندما تجاوز التنفيذ منطوق الحكم
بعد الاطلاع على الحكم، ثم مقارنة منطوقه بما جرى أثناء التنفيذ، بدأت تتكشف أولى المفارقات التي لا يمكن تجاهلها
فالحكم القضائي كان واضحا في تحديد أطرافه، وحدد بدقة من استفاد منه ومن لم يكن طرفا فيه. ومع ذلك، انتقلت إجراءات التنفيذ إلى واقع مختلف تماما، حيث توسعت لتشمل أشخاصا وأجزاء من العقار لم يشملها الحكم أصلا ولم يعد السؤال: هل تم تنفيذ الحكم؟
بل أصبح السؤال الحقيقي: هل بقي التنفيذ داخل الحدود التي رسمها الحكم، أم تجاوزها؟
ومن خلال محضر التنفيذ، يتبين أن العون المكلف بالتنفيذ لم يقتصر على تنفيذ منطوق الحكم، وإنما تعامل مع العقار كما لو أنه وحدة واحدة غير قابلة للتجزئة، رغم أن الوثائق نفسها كانت تكشف خلاف ذلك
فالوصف الوارد بمحضر التنفيذ، إلى جانب الوصف الوارد في تقرير الخبرة، يكشف وجود معالم مادية متعددة داخل العقار، من بقع مختلفة، ومنشآت، وحدود، وعلامات مميزة، وهو ما يفرض على المنفذ أن يتحرى بدقة الجزء المشمول بالحكم، لا أن يمتد التنفيذ إلى ما جاوزه
وهنا تظهر الإشكالية الجوهرية
فالقانون لا يجيز أن يكون التنفيذ أوسع من الحكم، لأن الحكم هو السند التنفيذي الوحيد، ولا يجوز إضافة ما لم يقض به، أو حذف ما قضى به، أو تفسيره بما يؤدي إلى المساس بحقوق أشخاص لم يكونوا أطرافا فيه
لقد تحول التنفيذ، في هذه النازلة، من وسيلة لتطبيق الحكم إلى إجراء رتب آثارا جديدة لم ينص عليها الحكم أصلا، وهو ما يجعل مشروعية تلك الإجراءات محل مساءلة قانونية
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا التجاوز لم يكن مجرد خطإ مادي بسيط، وإنما كانت له آثار عملية مباشرة، إذ مس أجزاء من العقار لم تكن داخلة في النزاع، وأثر على مراكز قانونية لم يفصل فيها القضاء
ومن هنا بدأت تتكون الصورة الحقيقية للنازلة فالقضية لم تعد مجرد تنفيذ حكم، وإنما أصبحت تتعلق بمدى احترام السلطة التنفيذية لحدود السند التنفيذي، ومدى التزامها بالمبدأ المستقر الذي يقضي بأن المنفذ لا يملك أن ينشئ حقوقا جديدة، ولا أن يوسع نطاق الحكم تحت أي مبرر
ولهذا، فإن الحلقة القادمة ستتناول بالتفصيل كيف كشف الوصف الوارد في محضر التنفيذ وتقرير الخبير أن التنفيذ تجاوز الحدود الفعلية للعقار المشمول بالحكم، مع تحليل كل بقعة ومعلم كما ورد حرفيا في الوثائق الرسمية
في الحلقة الثالثة سنستند إلى النص الحرفي لمحضر التنفيذ وتقرير الخبير، ونحلل كل بقعة وكل حد كما ورد في الوثيقتين لإظهار مواضع التجاوز بدقة
https://ar.decouvrezmaroc.com/4651.html : رابط المقال الثاني
لمشاهدة الفيديو الضغط على الرابط التالي
