نفحات رمضانية : الجزء الأول
إن الغوص في أعماق قضية “يأجوج ومأجوج” يتطلب منا أولا شجاعة فكرية لتهشيم المرايا المشوهة التي طالما عكس لنا صورا خرافية لا تمت لجوهر العقيدة بصلة، فنحن أمام نص قرآني بليغ يضعنا أمام مواجهة كونية بين “الإصلاح” الذي مثله ذو القرنين و”الإفساد” الذي جسده هؤلاء القوم، حيث يتشابك التاريخ بالجغرافيا في ملحمة بشرية خالصة بعيدة كل البعد عن كائنات الأساطير أو مسوخ الخيال؛ فيأجوج ومأجوج في الحقيقة القرآنية ليسوا إلا أمما من بني آدم، من صلب يافث بن نوح، يجرون في سنن التناسل والتكاثر ما يجري على البشر أجمعين، إلا أنهم امتازوا بانفجار سكاني هائل وقوة مادية غاشمة تجردت من القيم، مما جعلهم خطرا داهما على استقرار الحضارة الإنسانية في ذلك الزمان، وهنا تبرز العبقرية الإيمانية في بناء “الردم” الذي لم يكن مجرد جدار إسمنتي، بل كان فاصلا ماديا وأخلاقيا صهر فيه الحديد بالنحاس المذاب ليكون رمزا لمنعة الحق أمام طغيان الكثرة المفسدة
وإن ما تسرب إلى العقل الجمعي من روايات تتحدث عن أشكال خرقاء أو صفات بيولوجية خارقة للطبيعة، ما هي إلا “طفيلات إسرائيلية” وترسبات من قصص الشعوب القديمة التي حاولت تفسير الغيب بالخرافة، بينما الإسلام الحق يقرر أن فتنتهم تكمن في “نموذجهم” لا في “خلقهم”، فهم البشر الذين استسلموا لغريزة الهدم والنهب، وتكاثروا في معزل جغرافي حجبه الله عن الأبصار لحكمة يعلمها، ليخرجوا في توقيت كوني محدد كعلامة على انهيار النظم المادية الأرضية أمام القدرة الإلهية
إن هذا التشابك بين صعود القوة المادية العمياء المتمثلة فيهم، وبين السد الذي يمثل “كبح الجماح” بالعلم والعمل، يعلمنا أن الدين ليس غيبوبة عن الواقع أو غرقا في الأوهام، بل هو إدراك لسنن التدافع بين الخير والشر؛ فخروجهم المرتقب ليس هجوما لـ “كائنات فضائية”، بل هو زحف بشري تضيق به الأرض، يواجهه المؤمنون ليس بالسلاح المادي وحده الذي قد يعجز أمام الكثرة، بل باليقين الذي يجعل من نجاة البشرية معجزة إلهية خالصة، وبذلك يتطهر المفهوم الإسلامي ليصبح “يأجوج ومأجوج” درسا في فلسفة القوة والعدد، وتذكيرا بأن الحق وإن حُجب خلف سدٍ من حديد، فإن الباطل مهما كثر عدده واشتد بأسه، مآله إلى انحدار “من كل حدب ينسلون” نحو مصيرهم المحتوم حين يشاء رب العالمين.