** محمد اباعدي
في الدول التي تعرف كيف تحمي توازنها، لا تقاس قوة المؤسسات العسكرية والأمنية بعدد الدبابات أو الطائرات فقط، وانما بمدى انسجامها، ووضوح أدوارها، وصلابة قياداتها، وقدرتها على العمل كجسد واحد تحت سلطة سياسية مركزية واضحة، والمغرب، الذي يعيش في محيط إقليمي مضطرب، اختار منذ عقود أن يبني منظومة أمنية متعددة الأذرع، لكنها موحدة القرار والاتجاه
فالحديث عن كبار ضباط الأجهزة العسكرية وشبه العسكرية والأمنية هو قراءة تحليلية في هندسة أمنية معقدة، صممت لتواكب تحولات الداخل وضغوط الخارج، وتستجيب لرهانات الأمن التقليدي وغير التقليدي في آن واحد ،ففي قمة هذه المنظومة، تقف القوات المسلحة الملكية باعتبارها العمود الفقري للدفاع الوطني، فالمفتش العام للقوات المسلحة الملكية والذي يعتبر مركز ثقل عسكري واستراتيجي، ينسق بين مختلف الفروع ويشرف على جاهزية القوات، وتحت هذا السقف، تعمل القوات الجوية والبحرية والبرية والتي تتشكل وتعمل وفق عقيدة دفاعية تجمع بين الردع والتحديث والتأهيل المستمر، القوات الجوية، أصبحت أحد مفاتيح التوازن الإقليمي، في ظل سباق التسلح في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، أما القوات البحرية، فدورها يمتد إلى تأمين الممرات التجارية ومكافحة الهجرة غير النظامية والتهريب، في فضاء بحري بات جزءا من معادلات الأمن الأوروبي والمتوسطي،
فالحرس الملكي، من جهته، يمثل رمز الاستمرارية والهيبة والمؤسسة التي تجسد الرابط المباشر بين المؤسسة العسكرية والملكية، في بعده البروتوكولي والأمني معا لكن القوة الحقيقية للنموذج المغربي لا تكمن فقط في الجيش، بل في تنوع الأجهزة الأمنية وشبه العسكرية التي تشتغل على مستويات مختلفة من الأمن: الاستخبارات، الأمن الداخلي، الدرك، القوات المساعدة، الوقاية المدنية، والسجون، وحتى الجمارك، المديرية العامة للدراسات والمستندات، باعتبارها جهاز الاستخبارات الخارجية، تشتغل في صمت، بعيدا عن الأضواء، لكنها تلعب دورا حاسما في قراءة التحولات الإقليمية، ورصد التهديدات العابرة للحدود، سواء كانت إرهابية أو جيوسياسية أو اقتصادية أما الدرك الملكي، فهو الجسر الذي يربط بين الطابع العسكري والمهام الأمنية اليومية، خصوصًا في المجال القروي والطرقي، حيث تتقاطع قضايا الأمن، والهجرة، والتهريب، والجريمة المنظمة، القوات المساعدة، غالبا ما توصف بأنها “القوة الصامتة”، لكنها في الواقع أحد الأعمدة الأساسية في ضبط الشارع، وحماية المنشآت، ومواكبة العمليات الأمنية الكبرى، خصوصا في المناطق الحدودية والشمالية وفي قلب المنظومة الأمنية الحضرية، يبرز جهاز الأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، كنموذج لدمج الأمن والاستخبارات في بنية واحدة، ما سمح للمغرب بأن يصبح شريكًا أمنيًا موثوقا لدى عدد من الدول، خصوصا في مجال مكافحة الإرهاب الوقاية المدنية، بدورها، تمثل الوجه الإنساني للأمن، حيث تنتقل المعركة من مواجهة التهديدات إلى إنقاذ الأرواح ومواجهة الكوارث الطبيعية والحوادث اليومية
وفي المقابل، تمثل إدارة السجون حلقة حساسة في سلسلة العدالة، حيث يتقاطع الأمن مع الإصلاح وإعادة الإدماج، حتى الجمارك، التي تبدو جهازا اقتصاديا في الظاهر، أصبحت اليوم أحد خطوط الدفاع الأولى ضد التهريب والجريمة المالية والاتجار غير المشروع، في عالم تتداخل فيه الحدود بين الاقتصاد والأمن ما يميز هذه المنظومة المغربية هو مركزية القرار الاستراتيجي تحت قيادة المؤسسة الملكية، مقابل تعددية الأجهزة والاختصاصات، هذا التوازن بين المركزية والتنوع هو ما جعل المغرب يتفادى كثيرا من الهزات التي عرفتها دول في محيطه، حيث تحولت الأجهزة الأمنية إلى مراكز صراع بدل أن تكون أدوات استقرار
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الحفاظ على هذا التوازن، بل في مواكبة التحولات الجديدة: الحروب السيبرانية، الجريمة الرقمية، التغيرات المناخية، الهجرة الجماعية، والتوترات الإقليمية وهي تحديات لا تواجه بالسلاح وحده، بل بالعنصر البشري المؤهل، والتكوين المستمر، والقدرة على التكيف، في النهاية، لا تظهر قوة الأجهزة العسكرية والأمنية في البيانات الرسمية أو الاستعراضات، بل في تلك اللحظات التي لا يشعر فيها المواطن بالخوف، ولا يلتفت إلى وجودها، لأنها تؤدي دورها في صمت، هناك، في ذلك الصمت المنظم، يكمن سر الاستقرار المغربي وسر الدولة التي تعرف من يحرسها، وكيف يُحرس الوطن