**مصطفى الابيض
لم تعد كرة القدم في الفضاء العربي والإفريقي مجرد منافسة رياضية تُحسم داخل الملعب، بل أضحت في كثير من الأحيان امتدادًا للخطاب القومي، ومنصة لإعادة إنتاج الأزمات السياسية والإعلامية المؤجلة، ما رافق خروج المنتخب المصري، مقارنة بطريقة تعاطي المنتخب النيجيري مع الهزيمة أمام المغرب، يقدم نموذجا واضحا لكيفية تحوّل الرياضة من مجال للتنافس النزيه إلى أداة لتفريغ الإحباط وبناء سرديات المظلومية، في السياقات الرياضية الناضجة، تقرأ الهزيمة بوصفها نتيجة طبيعية لاختيارات تقنية وتكتيكية، وتُناقش بهدوء داخل دوائر التحليل، أما حين تكون المنظومة الإعلامية مأزومة، فإن الخسارة تتحول إلى جرح قومي، يستدعي البحث عن طرف خارجي لتحميله المسؤولية. هنا، لا يعود التنظيم أو البرمجة أو الجمهور مجرد عناصر ظرفية، بل يتحولون إلى “خصم رمزي” يُستعمل لتبرير الإخفاق وتخفيف الضغط عن الفاعلين الحقيقيين، هذا المنطق هو ما غذّته تصريحات حسام حسن، التي لم تكن معزولة عن خطاب إعلامي سابق مهّد لها، وراكم لغة الاستعلاء تارة، والتلميح بالمؤامرة تارة أخرى، الإعلام، بدل أن يقوم بدوره النقدي، اختار التعبئة العاطفية، فحول المدرب إلى متحدث باسم الإحباط الجمعي، واللاعبين إلى أدوات لإرسال رسائل رمزية تتجاوز كرة القدم نفسها. في المقابل، يبرز النموذج النيجيري كحالة مغايرة؛ مدرب يتنقل أكثر، ويخوض ظروفا مماثلة، لكنه يختار خطابا هادئا، يقبل الخسارة دون شيطنة المنافس أو التشكيك في السياق العام. هذا الفرق في الخطاب انعكس مباشرة على سلوك اللاعبين، وعلى صورة المنتخب بعد الإقصاء، وأكد أن الاحتراف ليس مسألة إمكانيات فقط، بل مسألة وعي ثقافي وإعلامي. حين يرفع لاعب إشارة تاريخية في وجه جمهور بلد منظم، فإن الفعل لا يُقرأ كتصرف فردي معزول، بل كامتداد لخطاب رمزي يرى في التاريخ أداة تفوق لا ذاكرة مشتركة، هنا يتحول الجسد الرياضي إلى حامل لمعنى سياسي وثقافي، ويُختزل الجمهور في “كتلة مستهدفة”، لا في شريك أساسي في الفرجة الرياضية. في المقابل، جسد اللاعب النيجيري اختار لغة الاعتراف والعناق، لا لغة الاستفزاز، وهو فرق يكشف الكثير عن الخلفية الذهنية التي صاغت السلوك، أخطر ما يفرزه الخطاب القومي في الرياضة هو نظرته إلى الجمهور باعتباره قابلًا للتوظيف، أو للشراء، أو للتوجيه، غير أن التجربة المغربية خلال البطولة أظهرت أن الجمهور لم يعد كتلة صماء، بل فاعلًا واعيًا يميّز بين المنافسة والإهانة،الدعم كان حاضرا حين وجد الاحترام، والانقلاب جاء حين مُسّت الكرامة، وهو سلوك لا علاقة له بالتحيز، بل بوعي جماهيري يرفض أن يُستعمل في معارك رمزية لا تعنيه،أما استدعاء عبارات من قبيل “الأم القومية” بعد هزيمة رياضية، فهو تعبير واضح عن الهروب من النقاش الرياضي إلى ملاذ رمزي قديم، لم يعد صالحًا في زمن تتعدد فيه الهويات الوطنية، وتترسخ فيه فكرة السيادة الرمزية لكل شعب، الرياضة لم تعد مجالا لفرض الزعامة الخطابية، بل فضاءً للتنافس الندي، حيث الاحترام شرط أساسي للاستمرار داخل اللعبة، في المحصلة، ما تكشفه هذه الواقعة ليس صراعا كرويا عابرا، بل صداما بين ثقافتين: ثقافة ترى في الهزيمة فرصة للمراجعة، وأخرى تعتبرها خطرًا يجب تغليفه بخطاب قومي صاخب، كرة القدم، في النهاية، مرآة للوعي الجمعي، من يحترمها تحميه حتى في الخسارة، ومن يحمّلها أكثر مما تحتمل، تعريه أمام الجميع في أول اختبار