** محمد خرطوف
تشكل مصادقة لجنة التعليم والشؤون الثقافية بمجلس المستشارين على المادة الخامسة من مشروع القانون المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة محطة مفصلية في مسار تشريعي لا يزال يثير نقاشا واسعا داخل الأوساط المهنية والسياسية، بالنظر إلى ما تحمله هذه المادة من
رهانات مرتبطة بتركيبة المجلس وآليات تمثيلية الفاعلين داخل الحقل الصحفي
المادة المصادق عليها، والتي أبقت على الصيغة التي أقرها مجلس النواب، تحدد عدد أعضاء المجلس في 19 عضوا، موزعين بين الصحافيين المهنيين والناشرين، إلى جانب ممثلي مؤسسات وهيئات دستورية، ورغم ما يبدو عليه هذا التوزيع من سعي إلى تحقيق نوع من التوازن المؤسساتي، إلا أنه أعاد إلى الواجهة إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة المجلس نفسه:
هل هو هيئة تنظيم ذاتي للمهنة، أم آلية تنظيمية ذات طابع مؤسساتي موسّع؟
اعتراض فرق المعارضة داخل اللجنة لم يكن تقنيا فقط، بل حمل في جوهره تخوفا من أن تؤدي الصيغة المعتمدة إلى تقليص هامش الاستقلالية المهنية للمجلس، عبر توسيع حضور التمثيلية غير المنتخبة داخل جهاز يفترض أن يعكس إرادة الجسم الصحفي ويجسد مبدأ التنظيم الذاتي الذي نص عليه الدستور
في المقابل، ترى الأغلبية الداعمة للمشروع أن الصيغة الحالية تشكل حلا وسطا يضمن استمرارية المجلس ويجنب القطاع حالة الفراغ، خصوصًا في ظل التحديات التي يعرفها المشهد الإعلامي الوطني، سواء على مستوى التحولات الرقمية، أو الإكراهات الاقتصادية، أو تراجع الثقة في الإعلام.
غير أن جوهر النقاش يتجاوز الأرقام والتركيبة الشكلية، ليطرح سؤال الشرعية والتمثيلية:
إلى أي حد تعكس البنية المقترحة التعدد المهني داخل قطاع الصحافة؟ وهل تضمن فعليا توازنا بين الصحافيين والناشرين دون تغليب طرف على آخر؟
ثم ما موقع الصحافي المستقل والمؤسسات الصغرى داخل هذا التصور؟
المصادقة على المادة الخامسة تفتح الطريق أمام استكمال المسطرة التشريعية، لكنها في الوقت نفسه تؤجل حسم إشكالات عميقة مرتبطة بضمانات استقلالية المجلس، وآليات اتخاذ القرار داخله، وحدود تدخل الدولة في تنظيم مهنة يفترض فيها أن تدار بمنطق ذاتي قائم على أخلاقيات المهنة والمسؤولية المجتمعية
وفي انتظار المصادقة النهائية على مشروع القانون برمته، يبقى المجلس الوطني للصحافة أمام اختبار مزدوج: استعادة الثقة داخل الجسم الإعلامي من جهة، وإثبات قدرته على لعب دور تحكيمي وتنظيمي مستقل من جهة ثانية، في سياق إعلامي متغير يحتاج إلى مؤسسات قوية، لكن مستقلة، وقادرة على حماية حرية الصحافة دون التفريط في قواعد المهنة.