في قلب الأطلس المغربي، وعلى تخوم جهة بني ملال–خنيفرة، تمتد قرية مݣداز كجوهرة طبيعية وإنسانية لا تزال بعيدة عن أعين الزائرين، رغم ما تختزنه من جمال فريد وتاريخ عريق يجعلها من أبهى المناطق التي يمكن أن يكتشفها عشّاق الطبيعة والهدوء
تقع مݣداز في إقليم أزيلال ضمن جماعة آيت تمليل، وتتموضع بين الجبال الشامخة والوديان المتدفقة لتقدم مشهدًا طبيعيًا يختلط فيه صفاء الماء بزرقة السماء وخضرة البساتين، في لحظة نادرة تجمع بين نقاء المكان وسكون الروح ، ترتبط هذه القرية باسم الشاعرة الأمازيغية الشهيرة مريريدا نايت عتيق، التي ولدت بين جنباتها وحملت قصائدها نَفَس الجبال وصوت الإنسان الأمازيغي الباحث عن الحرية، وحتى اليوم، ما زال أثرها حاضرا في الذاكرة الشفوية لأهل المنطقة، الذين يروون سيرتها بكل فخر وكأنها جزء لا يتجزأ من تضاريس القرية وذاكرتها الثقافية
يستقبل الزائر في مݣداز إحساس نادر بالطمأنينة؛ فالمكان يبدو كأنه ينتمي إلى زمن آخر، بعيد عن الضوضاء وضغوط الحياة،الطبيعة هنا ما تزال على أصلها، شلالات تنحدر بين الصخور، وعيون ماء عذبة لا تنضب، وقمة تيگليست التي ترتفع إلى أكثر من 2930 مترا، فتشكل منظرا بانوراميا يتغير مع تغير الضوء ويزداد جمالا كلما ارتفعت الشمس أو مالت نحو الغروب، وتنتشر حول القرية جنانات صغيرة تحتضن أشجار اللوز والجوز والتفاح، فيما يشق الوادي طريقه برفق كأنه يرسم ملامح حياة هادئة لا تتغيرورغم هذا الثراء الطبيعي، فإن أجمل ما في مݣداز هو أهلُها
فالكرم هنا ليس صفة عابرة بل أسلوب حياة، كل بيت يستقبل الضيف بحفاوة صادقة، وكل فرد من الكبير إلى الصغير يرحب بالزائر كأنه واحد من أبناء القرية، وتجسّد عائلة الشاب محمد مرواني، صاحب دار الضيافة دار مݣداز، هذا التقليد بأبهى صورة، إذ لا يكتفي محمد بتوفير مكان للإقامة، بل يرافق ضيوفه بخبرته ومعرفته الدقيقة بمسارات المنطقة وتاريخها، ويقدم لهم تجربة تتيح لهم اكتشاف مݣداز بكل أسرارها الطبيعية والثقافية
ورغم كل هذا الجمال، تبقى مݣداز منطقة مظلومة سياحيا، لم تنَل بعد المكانة التي تستحقها مقارنة بوجهات أخرى كثيرة نالت نصيبها من الشهرة دون أن تضاهي غنى هذه القرية وجمال محيطها، فالطريق إليها يتطلّب القليل من الجهد، لكن التجربة التي يحصل عليها الزائر تفوق كل التوقعات ،إن مݣداز تجربة روحية عميقة، ولقاء مع طبيعة صافية ونمط حياة بسيط وصادق،وهي فرصة نادرة للهروب من ازدحام المدن واستعادة علاقة الإنسان بالأرض التي تشكّله
إن اكتشاف مݣداز يشبه العثور على كنز مخفي، كل تفصيل فيه يدعو للتأمل: رائحة التراب بعد المطر، صوت المياه وهي تنساب في الوادي، النسيم البارد الذي يلامس الوجه فجرا، والأحاديث الدافئة التي يتبادلها أهل القرية مع ضيوفهم. ورغم تواضعها، تحمل مݣداز قدرة سحرية على أسر قلب كل من يزورها، حتى يشعر المرء بأنه يريد العودة إليها مرة بعد أخرى، لا لشيء إلا لأنها تمنحه ما فقده في زحمة الحياة: الهدوء، والبساطة، والإنسانية الخالصة