من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العالم

من الخليج إلى غزة: ضربة محسوبة ومسرحية التهدئة .. أين تصنع الحرب وأين يُسمح بالسلام؟

♦محمد خرطوف

في خضم التصعيد العسكري الذي كاد أن يشعل المنطقة من جديد، فتح باب الانفراج بطريقة بدت وكأنها مخرج محسوب بدقة أكثر منها نهاية حقيقية لصراع معقد.فجأة، تتراجع النيران، وتعلو لغة التهدئة بعد اثني عشر يوما من التوتر المكثف بين طهران وتل أبيب، والذي بلغ ذروته حينما استهدفت إيران قاعدة أمريكية في قطر، في رد بدا رمزيا أكثر مما هو استراتيجي

المشهد انقلب حين خرج الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ليعلن أن إطلاق النار قد توقف، وسط عبارات ثناء متكررة على “الذكاء السياسي” لكلا الطرفين، لم يكن ذلك مجرد إعلان رسمي، بل كان بمنزلة رسم جديد لمعادلة كانت على وشك الانفجار، قبل أن تتدخل خيوط خفية لحياكة سيناريو التراجع، فرغم أن تفاصيل الاتفاق لم تفصح عنها العواصم المعنية، فإن ما تسرب يشي بأن ما جرى لم يكن سوى استعراضا متفقا عليه، ضبطت خلاله الحدود بدقة وبكياسة شديدة، بما يسمح لكل طرف بأن يخرج أمام جمهوره بصورة المنتصر أو على الأقل غير المهزوم

من واشنطن، جاء التلميح بأن البنية النووية الإيرانية قد شلت إلى حد كبير”رغم أن الواقع يفنذ ماتقول”، أما طهران، فكان يكفيها أن تظهر قدرتها على الرد، ولو بأقل الأضرار، من وراء ستار المسرحية، بدأت تتكشف إشارات إلى تنسيق مسبق: رسائل نقلت، مجالات جوية أُغلقت، وتحركات دبلوماسية سبقت الضربات، المنصات الإعلامية امتلأت بتقارير عن علم أمريكي مسبق بما كانت إيران تخطط له، وكأن الأطراف كلها شاركت في مشهد مسرحي تراجيدي، غايته تمرير رسالة بلا تكلفة بشرية

بالنسبة لإسرائيل، فإن هذه المحطة كانت بمثابة فرصة لالتقاط الأنفاس، في وقت أنهكتها الجبهات المتعددة، خاصة مع استمرار العمليات في غزة، أما واشنطن، فقد سجلت حضورها العسكري، وأرسلت رسالة إلى العالم بأنها لا تزال قادرة على فرض قواعد اللعبة، وفي المقابل، خرجت طهران من تحت الركام برسالة واضحة: هي لا تزال موجودة، رغم الضربات

المكاسب السياسية الظاهرة لكل طرف لا تلغي عمق الخسائر الحقيقية، خاصة بالنسبة لإيران، التي تواجه واقعا اقتصاديا هشا وبيئة أمنية متآكلة، لكنها أيضا تدرك أن الإبقاء على شعلة المواجهة موقدة دون اشتعال شامل يخدم روايتها الداخلية ويمنحها مساحة للتنفس السياسي

في نهاية المطاف، ما حدث لم يكن سلاما بالمعنى الكامل، ولا حتى هدنة نابعة من قناعة راسخة، كان أقرب إلى وقف مؤقت للضجيج، بضربة مدارة بعناية

لإنقاذ ماء الوجه، ورغم أهمية التهدئة الظرفية، فإن تساؤلا كبير طفو على السطح من قبيل

لماذا تسقط هذه القدرة على صناعة الحلول فجأة حين يتعلق الأمر بحروب أخرى أكثر دموية وطولًا، مثل تلك المستمرة في غزة منذ نهاية عام 2023؟

وهل يشترط السلام دوما أن يكون جزءا من مسرحية دولية محبوكة حتى يُمنح فرصة للحياة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى