
حين تَصمُت وزارة الداخلية… من يُخاطب المغاربة؟
♦محمد خرطوف
في الأيام الأخيرة، عادت وزارة الداخلية إلى واجهة النقاش العمومي، ليس بسبب قرار جديد أو إصلاح هيكلي، بل بسبب الغياب، غياب يثير أكثر من علامة استفهام، بعد تداول أخبار”غير مؤكدة رسميا” عن إعفاء مسؤولين ترابيين بارزين، ويتعلق الأمر بوالي جهة مراكش آسفي ووالي جهة فاس مكناس، هذه “الأخبار” سرعان ما وجدت طريقها إلى الإعلام الرقمي وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن تجد لها صدى في القنوات الرسمية، أو بلاغا او حتى قصاصة خبرية رسمية توضح للرأي العام حقيقة ما يجري
الغريب أن ما يشاع عن الإعفاء لم يتم نفيه اوتأكيده، ومرت الأيام دون أي تفاعل مؤسساتي، وكأن الأمر لا يعني أحدًا، علما أن إعفاء ولاة جهات بحجم مراكش وفاس ليس تفصيلا عابرا، بل حدث يستدعي الوضوح والمسؤولية والتواصل، خصوصا في ظل حرص المملكة، في خطاباتها وتوجيهاتها على ربط الإدارة بالحكامة الجيدة والمساءلة والشفافية،لكن الصمت الرسمي هنا لم يكن عاديا، بل كان صمتا مدويا، لأن وزارة الداخلية ليست مصلحة ثانوية، بل قلب الدولة في امتدادها الترابي، ولأن ما يقع داخلها يهم كل المواطنين، حتى من خارج الجغرافيا الإدارية المعنية
الأدهى من ذلك أن الوزارة كانت قد عينت، في إطار التعيينات الملكية الأخيرة، عاملا مديرا للتواصل، في خطوة اعتُبرت آنذاك إشارة لانفتاح محتمل على الإعلام وتعزيز للتفاعل مع الرأي العام، غير أن هذا المسؤول الجديد، بدرجة عامل، لا أثر له إلى حدود اللحظة، وكأن وظيفته ما تزال تنتظر “التعليمات” كي تبدأ…
فهل التواصل داخل وزارة الداخلية خاضع لمزاج القرار، أم أنه وظيفة دستورية مرتبطة بحق المواطن في المعلومة؟
وإذا كانت الإدارة المركزية تصمت، فماذا عن الولايتين المعنيتين؟
أليس من المفترض أن يتوفر بكل ولاية وعمالة قسم خاص بالإعلام والتواصل؟
أين هم مسؤولو الاتصال الذين يتقاضون أجورا من المال العام، بينما المواطنون يتخبطون وسط التسريبات والإشاعات والتخمينات؟
هل هم بدورهم في وضع “الانتظار”، أم أن ثقافة الصمت ما تزال أقوى من أي تحديث إداري؟
إن التواصل لم يعد مجرد واجب وظيفي، بل أصبح جزءاً من شرعية الدولة، ومؤشراً على نضج مؤسساتها،والصمت أمام قضايا رأي عام كهذه، لا يُفقد فقط الثقة، بل يعمق هوة الغموض بين الإدارة والمجتمع، فحين تتأخر المعلومة تتحول الإشاعة إلى مصدر، ويغدو المواطن فريسة للارتباك والتأويلات
إن خطورة ما يحدث اليوم لا تكمن فقط في تفاصيل الإعفاءات، بل في طريقة تدبيرها، والتعتيم الذي يلفها، وغياب الخطاب الرسمي الذي من المفترض أن يكون أول الحاضرين في مثل هذه اللحظات،حيث تحولت الإشاعة إلى سلطة بديلة، لأن المؤسسة غابت، ولأن من كُلفوا بالتواصل، اختاروا ” أو فُرض عليهم” أن يصمتوا…
فهل من المقبول أن يدار الرأي العام المغربي بالتسريبات؟
وهل ننتظر من المواطن أن يبقى صامتاً بدوره أمام هذا التجاهل الصارخ؟
وزارة الداخلية اليوم أمام امتحان حقيقي، إما أن تتبنى فعلا نهج الشفافية والتواصل الواضح، وإما أن تكرس ثقافة الغموض وتعزز فجوة الثقة، والمطلوب ليس أكثر من الجواب: ماذا حدث؟ ولماذا؟ ومن يُحاسب؟ ومن يُخبِر؟ فالمغرب الجديد، الذي يرفع شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة، لا يمكن أن يبنيه إعلام غير رسمي، ولا إدارة خرساء. إنما تبنيه دولة تملك الشجاعة لتقول الحقيقة، في وقتها، وبصوتها، وبكل وضوح