
حين يصير الإيهام سلاحا والعالم يزحف نحو الهاوية
♦محمد خرطوف
في عالم تحكمه الإشارات أكثر من التصريحات، وتُدار فيه الحروب بالتمويه لا بالطبول، تبرز “عملية مطرقة الليل” كأحد أبرز النماذج الحديثة على براعة إخفاء النوايا العسكرية في لحظة دولية محتقنة.
العملية، التي جرت خلف ستار كثيف من المناورات السياسية والإعلامية، تُظهر كيف أن قرار الحرب في القرن الحادي والعشرين لم يعد فقط مسألة عسكرية، بل توازن دقيق بين الإيحاء والخداع والضربات الاستباقية، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المعروف بقدرته على توجيه الرأي العام واللعب على تناقضات المشهد الإعلامي، استثمر لقاءً علنيا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، في توقيت دقيق، ليغطي على التحركات العسكرية الجارية، الإعلام الإسرائيلي لم يكن بعيدا عن هذه المعادلة، بل لعب دورا محوريا في تعميق الضبابية، عبر تسريب خبر “اتصال متوتر” بين مسؤولين إسرائيليين ونائب الرئيس الأمريكي، في ما بدا وكأنه محاولة لصرف الانتباه عن الضربة المرتقبة.
وفي الميدان، تحركت القاذفات الأمريكية باتجاه الغرب، في خطوة خادعة أُوحي من خلالها أنها في طريقها إلى قواعد في المحيط الهادئ أو الهندي، بينما كانت في الحقيقة تلتفّ شرقا نحو أهداف محددة عبر المتوسط، فيما يبدو أنه هجوم مركز على منشآت إيرانية حساسة.
فجر اليوم، وقع الهجوم فعلا، واستهدفت الضربات أجزاء من البنية التحتية النووية الإيرانية، مسببة أضرارا كبيرة قد تعطل البرنامج الإيراني لشهور أو ربما لسنوات، دون أن تقضي عليه بالكامل،ردّ طهران لم يتأخر، ولم يكن تقليديا، فخلال ساعات أطلقت إيران رشقات من صواريخها الباليستية الأكثر تطورًا – من طراز خرمشهر وخيبر – تجاه العمق الإسرائيلي.
الصورايخ أصابت تل أبيب، حيفا، ومطار بن غوريون، إضافة إلى مدينة نيس زيونا، التي تحتضن أهم معهد أبحاث بيولوجية في إسرائيل، المعلومات الأولية تشير إلى أن الدفاعات الجوية الإسرائيلية فشلت في التصدي الكامل لهذا الهجوم، مما أسفر عن دمار واسع ومخاوف من احتمال حدوث تسريبات بيولوجية، في حال تأكدت الأضرار داخل المعهد المذكور، غير أن كل هذه التطورات، مهما بلغت من خطورة، تتضاءل أمام الإعلان الرسمي الذي صدر قبل قليل عن البرلمان الإيراني بالموافقة على قرار إغلاق مضيق هرمز، بانتظار فقط مصادقة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
القرار إذا ما تم تنفيده، لن يكون مجرد رد فعل عسكري، بل إعلان مواجهة شاملة مع الغرب، اقتصاديا وجيوسياسيا،فإغلاق المضيق يعني عمليا تهديد 20% من التجارة العالمية وأكثر من 40% من تدفقات النفط، ما سيؤدي إلى انفجار أسعار الطاقة عالميًا، وربما انهيار شركات ودخول اقتصادات في دوامة تضخمية لا يمكن السيطرة عليها، في أزمة قد تفوق ما عرفه العالم سنة 2008.
القيادة الإيرانية، فيما يبدو، لم تعد تفكر بمنطق الردع المحدود، بل تسير بخطى ثابتة نحو خيار اللاعودة،وهناك ما يغذي هذا الخيار: تصريحات روسية غير مسبوقة تتهم الولايات المتحدة بدفع العالم نحو صراع كوني، وتهديد مبطن من موسكو بأنها قد تدعم إيران نوويا إذا لزم الأمر، ومع تصريح مباشر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن “العالم يقترب من حرب عالمية ثالثة”، تتضح حدود الخطر الذي تسبح فيه المنطقة.
الموقف الدولي على وشك الانفجار، لكن السؤال الذي بات يُطرح الآن لا يدور حول ما إذا كانت الحرب بدأت بالفعل، بل ما إذا كان هناك من يملك الرؤية والجرأة لوقف هذا التدحرج المتسارع نحو كارثة شاملة، العالم يقف على حافة تصعيد قد يُعيد البشرية عقودا إلى الوراء، حيث تصبح الكلمات عاجزة، وتبدأ الفوضى في رسم الجغرافيا من جديد.

