
تتويج تاريخي لفتيان المغرب يجسد ثمار الاستثمار القاعدي في كرة القدم الوطنية
غداة تتويج المنتخب المغربي لأقل من 17 سنة بأول لقب له في كأس أمم إفريقيا، يتأكد مرة أخرى أن الرؤية الاستراتيجية التي اعتمدها المغرب للنهوض بكرة القدم الوطنية بدأت تعطي ثمارها، ليس فقط من حيث النتائج، ولكن أيضاً على مستوى جودة اللاعبين الشباب وقدرتهم على المنافسة قارياً ودولياً. هذا التتويج ليس مجرد إنجاز عابر، بل محطة مهمة تؤكد نجاعة العمل القاعدي الذي انطلق منذ سنوات، ويشكل امتداداً لتألق المنتخب المغربي الأول في مونديال قطر 2022. من خلال هذا الإنجاز القاري، تبرز أهمية البناء المنهجي والاستثمار في الفئات السنية الصغرى، لما لها من دور حاسم في صناعة جيل جديد قادر على حمل مشعل الكرة المغربية في المستقبل. التجربة الإفريقية الأخيرة كانت مناسبة للاعبين لاكتساب خبرة ميدانية عالية، والتأقلم مع خطط تكتيكية متنوعة، وهو ما يشير إلى نضجهم التقني والفكري، ويعزز فرصهم في تمثيل المنتخب الأول مستقبلاً. الخطوة التالية تتجسد في الإعداد الجيد للمشاركة في كأس العالم المقبلة، وهو ما يتطلب متابعة دقيقة للاعبين ضمن أنديتهم المحلية، وتنظيم تجمعات ودوريات ومباريات ودية في الفترات الدولية المحددة، استعداداً لهذا الموعد العالمي. الأهداف لا تقتصر فقط على الحضور المشرف، بل تتجاوز ذلك إلى طموح حقيقي في تحقيق نتائج متميزة تؤكد التطور المستمر الذي تعرفه الكرة المغربية. النجاح في الفئات الصغرى يعكس نجاح منظومة متكاملة. الأكاديميات الجهوية، وأكاديميات الأندية، ومشروع المكتب الشريف للفوسفاط، إلى جانب الدور المحوري الذي تلعبه أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، كلها روافد تفرز مواهب ذات إمكانات عالية، تزاوج بين التكوين الرياضي والانضباط الذهني. وقد برزت نتائج هذا العمل من خلال انتقال عدد من هؤلاء اللاعبين إلى الدوريات الأوروبية، واندماجهم السريع في عالم الاحتراف. كما أن الدينامية الجديدة التي تعرفها كرة القدم الوطنية، لا تنفصل عن الحضور المتزايد للأطر التقنية المغربية الشابة، التي أبانت عن كفاءتها في مختلف الاستحقاقات. هذه الأطر تستفيد من برامج تكوين عالية الجودة توفرها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى جانب تبادل الخبرات مع مدربين أجانب، مما يساهم في بروز “مدرسة مغربية” في التدريب بدأت تفرض مكانتها في الساحة القارية. الطريق نحو منتخب وطني قوي للكبار يمر عبر التكوين المستمر، وتوسيع قاعدة اللاعبين، وترسيخ ثقافة الفوز منذ الفئات العمرية الصغرى. هذه المقاربة تساهم في بناء شخصية كروية مغربية قوية، تمتلك الثقة والطموح، وقادرة على فرض الذات في أكبر المحافل. الكرة المغربية اليوم في طريقها لأن تصبح قوة قارية وعالمية، إذا ما استمرت هذه الدينامية بنفس الالتزام والتخطيط.