من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العالم

المقال الرابع : الملف تحت المجهر من منطوق الحكم الى اجراءات التنفيذ

برقاش

الحلقة السابعة

عندما تحدث الحكم عن بقعة فلاحية وتحدث التنفيذ عن منزل ومواد بناء

  في جميع الحلقات السابقة، توقفت عند تقرير الخبرة، ومحضر التنفيذ، والاختلاف بينهما في المساحات والحدود وتقسيم العقار.

أما اليوم، فقد حان الوقت للعودة إلى الوثيقة التي لا يعلو عليها شيء في هذا الملف، وهي الحكم القضائي نفسه لأن التنفيذ، في جميع الأنظمة القانونية، لا ينشئ حقًا جديدًا، ولا يضيف إلى الحكم ما ليس فيه، وإنما يقتصر على تنفيذ ما قضى به القضاء.

وبقراءة القرار الاستئنافي الصادر في هذا الملف، يتبين أن المحكمة ناقشت واقعة انتزاع الحيازة من خلال تصريحات الأطراف والشهود، وكان موضوع النقاش بقعة فلاحية. فقد صرحت المشتكية لطيفة أمزيل بأن الأمر يتعلق ببقعة مساحتها حوالي 1000 متر مربع. وفي المقابل، صرحت المشتكية خديجة أمزيل بأن الأمر يتعلق ببقعة فلاحية تبلغ مساحتها حوالي 2000 متر مربع.

إذن، فإن الوقائع التي ناقشها الحكم كانت تدور حول بقعة فلاحية، مع اختلاف في تقدير مساحتها بين المشتكيتين. غير أن القارئ لن يجد في الحكم حديثًا عن منزل، أو بئر، أو مواد بناء، أو عن بقعتين مستقلتين، أو عن جرد للمنقولات، أو عن إحصاء لمواد البناء، أو عن إفراغ منشآت. كما أن منطوق الحكم انتهى إلى إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، ولم يتضمن، في حد ذاته، أوصافًا تفصيلية للعقار من قبيل تلك التي ظهرت لاحقًا أثناء التنفيذ.

لكن عند الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، تغير المشهد. فمحضر التنفيذ لم يعد يتحدث فقط عن بقعة فلاحية، وإنما تحدث عن منزل، وبئر، ومواد بناء، وبقعتين منفصلتين، وحدد مساحات وحدودًا لكل واحدة منهما، ثم أنجز التنفيذ على هذا الأساس.

وهنا يبرز سؤال يفرض نفسه: هل كانت هذه العناصر كلها جزءًا من السند التنفيذي، أم أنها ظهرت أثناء مرحلة التنفيذ؟ ثم تبرز مسألة أخرى لا تقل أهمية. فالتنفيذ وُجه إلى محمد أمزيل، بينما تتمسك الجهة المعترضة بأن الجزء الذي توجد به مواد البناء كان، منذ سنة 2009، تحت تصرف عبد الحق أمزيل، الذي يقول إنه يتوفر على شهادة عدلية تثبت تصرفه واستغلاله لذلك الجزء منذ سنوات.

وهذه معطيات تتمسك بها الجهة المعترضة، ويبقى تقدير أثرها القانوني من اختصاص القضاء. غير أن ذلك يثير سؤالًا مشروعًا: إذا كان شخص آخر يدعي حيازة واستغلال الجزء الذي شمله التنفيذ، فهل كان ينبغي التحقق من وضعه قبل مباشرة التنفيذ على ذلك الجزء؟

إن طرح هذا السؤال لا يعني التشكيك في الحكم، لأن الحكم واجب الاحترام والتنفيذ

لكن احترام الحكم يقتضي أيضًا أن يظل التنفيذ داخل حدوده، وألا يمتد إلى أشخاص أو أجزاء أو أوصاف لم تكن محل السند التنفيذي. ولذلك، فإن القضية لا تتعلق بوجود حكم أو عدم وجوده، وإنما تتعلق بمدى مطابقة التنفيذ لذلك الحكم.

فهل نُفذ ما قضت به المحكمة فعلًا؟ أم أن التنفيذ تجاوز ما ورد في السند التنفيذي عندما انتقل من الحديث عن بقعة فلاحية إلى تنفيذ شمل منزلًا، وبئرًا، ومواد بناء، وتقسيمات وحدودًا لم يرد لها ذكر في الحكم؟ ذلك سؤال يظل مشروعًا، والإجابة عنه تقتضي العودة إلى جميعوثائق الملف، لا إلى وثيقة واحدة فقط.

الحلقة الثامنة 

هل تجاهل التنفيذ واقع الحيازة القائم منذ سنوات؟

في الحلقات السابقة، تناولت الحكم، وتقرير الخبرة، ومحضر التنفيذ، وما ظهر بينها من اختلافات في وصف العقار ومساحاته وحدوده. أما اليوم، فأنتقل إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: هل اقتصر التنفيذ على قراءة منطوق الحكم، أم كان عليه أيضًا أن يتحقق من واقع الحيازة القائم على الأرض؟ فالحيازة ليست مجرد ادعاء يطلقه أحد الخصوم، وإنما هي واقع مادي قد تثبته وثائق رسمية، أو إشهادات، أو تصرف مستمر عبر الزمن. وفي هذا الملف، تتمسك الجهة المعترضة بأن الجزء الذي توجد به مواد البناء لم يكن أرضًا مهجورة أو خالية، بل كان محل استغلال فعلي منذ سنوات طويلة.

ومن بين الوثائق التي تستند إليها: أولًا: إشهاد بالتصرف محرر بتاريخ 19 أكتوبر 2023، يتضمن شهادة عدد من الشهود بأن عبد الحق أمزيل يتصرف في العقار منذ حوالي ستة عشر سنة، مع الإشارة إلى حدود القطعة محل التصرف.

وهذا الإشهاد سبق إجراءات التنفيذ، ولم يحرر بعدها.

ثانيًا: شهادة التسجيل في الرسم المهني الصادرة عن إدارة الضرائب، والتي تفيد أن عبد الحق أمزيل باشر نشاط تجارة مواد البناء بالتقسيط، وأن بداية النشاط تعود إلى 1 غشت 2010، مع تسجيله جبائيًا لممارسة هذا النشاط. وترى الجهة المعترضة أن هاتين الوثيقتين، عند قراءتهما معًا، تشيران إلى أن نشاط مواد البناء لم يكن وليد اللحظة، وإنما كان قائمًا منذ سنوات. وفي المقابل،

ناقش الحكم واقعة انتزاع الحيازة على أساس بقعة فلاحية، ولم يتناول في منطوقه هذه الوثائق، كما لم يفصل في آثارها القانونية. وهنا يبرز سؤال مشروع: إذا كانت هناك وثائق تشير – بحسب الجهة المعترضة – إلى وجود تصرف واستغلال سابق ومستمر، فهل تم التحقق من هذه المعطيات عند مباشرة التنفيذ؟ وهل جرى التمييز بين ما كان محل الحكم، وبين ما كان محل تصرف شخص آخر يقول إنه يستغله منذ سنوات؟

إن طرح هذا السؤال لا يعني أن إشهاد التصرف أو التسجيل الضريبي يحسمان النزاع، فذلك من اختصاص القضاء وحده. لكنه يعني أن وجود مثل هذه الوثائق يفرض التساؤل حول ما إذا كانت جميع عناصر الواقع الميداني قد أُخذت بعين الاعتبار قبل تنفيذ الحكم. وتضيف الجهة المعترضة أن الملف لا يقف عند هذه الوثائق وحدها، بل يمتد إلى ما تعتبره تناقضات في تصريحات المدعيات بين الدعوى المدنية والدعوى الجنحية، وهو ما ترى أنه يستحق التمحيص، خاصة عندما يتعلق الأمر بتحديد العقار، ومساحته، وطبيعة استغلاله، والأشخاص الذين كانت لهم السيطرة الفعلية عليه.

وهنا يبدأ فصل جديد من هذا الملف. فإذا كانت الوثائق تروي رواية، وكانت التصريحات في الملفات المختلفة تروي رواية أخرى، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل بقيت الرواية القضائية واحدة في جميع مراحل النزاع، أم أنها تغيرت بتغير نوع الدعوى؟ هذا ما سنعرضه في الحلقة التاسعة، من خلال مقارنة دقيقة بين التصريحات المقدمة في الملف المدني، والتصريحات المقدمة في الملف الجنحي، مع الوقوف عند أوجه الاتفاق والاختلاف، وترك القارئ يستخلص النتيجة بنفسه.

رابط المقال الخامس

https://ar.decouvrezmaroc.com/4665.html

https://youtu.be/tdNILUY9UnM?si=mIHgm1B_HkmtCKiz : رابط الفيديو الكامل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى