**مصطفى الابيض
تستفيق الساكنة المحلية بالزمامرة على وقع فاجعة جديدة تنضاف إلى سجل قاتم من الفواجع الإنسانية التي باتت تؤثث المشهد الإقليمي، مأساة تجسدت هذه المرة في رحيل طفل لم يتجاوز ربيعه العاشر، ابتلعته مياه “الساقية” في لحظة غفلة تحولت فيها براءة الطفولة وشغف اللعب إلى مأساة عائلية واجتماعية حارقة الحادثة التي راح ضحيتها الطفل يوسف، الذي كان يمثل كل شيء لوالدته المكلومة، أعادت إلى الواجهة نقاشا مؤجلا وحادا حول شروط السلامة والبدائل التنموية الغائبة في المنطقة، فالأم التي لم تفطن في بادئ الأمر لغياب فلذة كبدها، لم تجد سوى ملابسه المتروكة على ضفاف المجرى المائي لتدرك حجم الكارثة، وهو ما دفعها لإخطار المصالح الأمنية بالزمامرة التي تجاوبت بالسرعة المطلوبة ونسقت مع عناصر الوقاية المدنية إن تفاصيل عملية الإنقاذ والبحث تعكس وجها آخر للأزمة، حيث واجهت عناصر الإغاثة تضاريس وعرة وجنبات كاحلة بالأشواك والحواجز الطبيعية التي تسببت في إصابات بدنية لرجال الإنقاذ، والذين واصلوا عملهم بإصرار تضامني تلاحم فيه شباب المدينة الذين هبّوا للمساعدة بروح تطوعية عالية أسفرت في نهاية المطاف عن انتشال جثة الهالك ونقلها إلى مستودع الأموات
غير أن هذا التضامن الشعبي والجهد الإغاثي لا يمكنه أن يحجب السؤال الجوهري والمؤرق الذي يتردد اليوم على لسان كل مواطن في الزمامرة: حتى متى سيستمر هذا الصمت المطبق من طرف الرئاسة والمجلس الجماعي أمام شبح “الساقية” الذي يواصل حصد الأرواح دون توقف؟ فالأمر لم يعد يتعلق بحادث معزول، بل بظاهرة متكررة حصدت بالأمس واليوم أبناء وشيوخا ونساء، مما يجعل الصمت التدبيري بمثابة تخل غير مبرر عن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تجاه الساكنة من المنظور الاستراتيجي لتدبير الشأن المحلي، تبرز هذه الفاجعة اختلالا واضحا في ترتيب الأولويات التنموية والمالية للجماعة، إذ إن المطلب الشعبي البسيط والمتمثل في إنشاء مسبح بلدي يخضع لمعايير السلامة والمراقبة، أضحى ضرورة ملحة لحماية الأمن الحياتي للأطفال والشباب الذين لا يجدون في قيظ الصيف سوى هذه المجاري المائية الخطيرة لتفريغ طاقاتهم المفارقة المالية تظهر بجلاء عند مقارنة التكلفة التقديرية لإنجاز مرفق مائي آمن بحجم الإنفاق الموجه نحو قطاعات أخرى؛ فحين تخصص الجماعة ميزانية ضخمة تناهز 563 مليون سنتيم لدعم فريق رياضي، يصبح من الصعب إقناع الرأي العام المحلي بالعجز عن اقتطاع جزء يسير من هذه الموارد لإقامة مشروع يحمي أرواح الأبرياء، ويقي العائلات لوعة الفقدان
إن تحويل أرواح الأطفال إلى مجرد أرقام في سجلات الإهمال يعتبر مؤشرا خطيرا على تراجع البعد الإنساني في التخطيط الترابي، فالأزمة هنا ليست أزمة موارد مادية بقدر ما هي أزمة رؤية وتدبير وإرادة سياسية تضع حياة الإنسان فوق أي اعتبار آخر إن هذه الفاجعة تضع الجهات المسؤولة بالزمامرة أمام محك حقيقي لمراجعة سياساتها العمومية المحلية، والقطع مع سياسة التجاهل، لأن الاستثمار في البنية التحتية الحمائية والترفيهية للأطفال هو استثمار في الحق في الحياة أولا وأخيرا، وما لم تتحرك الضمائر والمسؤوليات بشكل عاجل لوضع حد لخطر هذه الساقية وفتح آفاق آمنة للشباب، فإن سجل الفواجع سيبقى مفتوحا على مزيد من الضحايا، لتظل دماء يوسف صرخة في وادي الصمت السياسي واصحاب القرار