من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العالم

البصاصون بين الأمس واليوم ماذا تبقى من (الزيني بركات)

 بقلم. د/ السعيد اخي
قد يعتقد القارئ للوهلة الأولى أن البصاصين الذين ملأوا صفحات رواية “الزيني بركات” قد أصبحوا جزءاً من الماضي، وأن زمن المخبرين الذين يتعقبون أخبار الناس في الأسواق والأحياء قد انتهى إلى غير رجعة. غير أن التمعن في واقعنا المعاصر يكشف أن البصاص لم يمت. يقدم الغطانيفي روايته صورة مرعبة لشبكة من البصاصين الذين يتسللون إلى تفاصيل الحياة اليومية للناس، فينقلون أخبارهم إلى السلطة، ويصنعون جواً عاماً من الخوف والهلع ولم يكن المواطن في ذلك الزمن يخشى الجريمة بقدر ما كان يخشى الكلمة التي قد تُنقل عنه أو التأويل الذي قد يلحق بتصرفاته. وإذا كان البصاص في العصر المملوكي شخصاً من لحم ودم، فإن عالم اليوم يعرف أشكالاً متعددة من البصاصين. فهناك من يتتبع حياة الناس عبر الإشاعات، ومن يراقبهم عبر المنصات الرقمية، ومن يحول الفضاء الإلكتروني إلى ساحة للتجسس المعنوي أو التشهير أو الوشاية
لقد تغيرت الوسائل، لكن جوهر الفعل بقي كما هو جمع المعلومات من أجل التحكم أو الإضرار بالآخرين. وتزداد خطورة الظاهرة حين يتحول بعض الأفراد إلى بصاصين متطوعين مجانا فوسائل التواصل الاجتماعي أفرزت فئة تراقب حياة الآخرين باستمرار، وتبحث عن أخطائهم وهفواتهم، وتنقل أخبارهم وصورهم وتعليقاتهم إلى فضاءات أوسع، أحياناً بدافع الفضول وأحياناً بدافع الكراهية أو تصفية الحسابات. وهنا تستعيد رواية الزيني بركات راهنيتها المدهشة، لأن الخوف لم يعد يأتي فقط من السلطة، بل قد يأتي أيضاً من المجتمع نفسه. لقد أدرك الغيطاني مبكراً أن البصاص ليس مجرد شخص، بل هو ثقافة قائمة على الشك والتوجس وغياب الثقة
وحين تنتشر هذه الثقافة تتحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات مراقبة متبادلة، ويصبح كل فرد مشروع مخبر محتمل في نظر الآخر. عندما كتب الروائي المصري جمال الغيطاني روايته “الزيني بركات”، لم يكن يتحدث عن حقبة مملوكية مضت وانقضت بقدر ما كان يسلط الضوء على آليات السلطة التي تتجدد بأشكال مختلفة عبر التاريخ فالبصاصوم الذين كانوا يجوبون الأسواق والأزقة بحثاً عن الأخبار والوشايات، لم يختفوا من حياتنا المعاصرة، بل تغيرت أدواتهم ووسائل عملهم. ففي زمن الزيني بركات كان البصاص يتنصت على الأحاديث في المقاهي والمساجد، والبيوت ومقرات العمل ، أما اليوم فقد أصبحت الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث و الطرق التقليدية كلها مهتمة بجمع كم هائل من المعلومات عن الأفراد، وعن اهتماماتهم وعلاقاتهم وآرائهم واختياراتهم الاستهلاكية. لقد انتقلنا من مجتمع يراقبه البصاص ( البياع او البركاك او العين او الجاسوس) إلى عالم تراقبه الخوارزميات. ولعل أخطر ما في الأمر أن المراقبة الحديثة لم تعد دائماً مفروضة بالقوة، بل أصبحت تتم أحياناً بموافقة الأفراد أنفسهم. فالإنسان المعاصر ينشر تفاصيل حياته اليومية وصوره ومواقفه على الفضاء الرقمي، تاركاً وراءه أثراً إلكترونياً يسمح بتتبع سلوكه وتحليل شخصيته بدقة غير مسبوقة. وهنا يتجلى وجه جديد للبصاصة ، انها الجاسوسية الناعمة التي لا تعتمد على العسس والمخبرين، بل على البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي. وتكشف الأحداث العالمية المتسارعة أن الصراع بين الأمن والحرية ما زال قائماً. فالدول والشركات الكبرى تمتلك اليوم إمكانات تقنية هائلة لرصد المعلومات وتحليلها، وهو ما يثير نقاشاً متواصلاً حول حدود الخصوصية وحقوق المواطنين في العصر الرقمي. وإذا كان المواطن في رواية الزيني بركات يخشى أن تنقل كلماته إلى السلطة، فإن مواطن القرن الحادي والعشرين يتساءل عمن يملك بياناته الرقمية وكيف يتم استخدامها. إن القيمة الحقيقية لرواية “الزيني بركات” تكمن في قدرتها على تجاوز زمنها التاريخي. فالرواية تعلمنا أن الاستبداد لا يرتبط بأداة معينة، بل بمنطق السيطرة ذاته. وقد يتغير شكل البصاص من شخص يختبئ في زقاق ضيق او في أي مكان ، إلى خوارزمية تعمل داخل حاسوب عملاق، لكن السؤال يبقى واحداً: كيف يمكن حماية حرية الإنسان وكرامته في عالم تتوسع فيه دوائر المراقبة يوماً بعد يوم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى