ثمة أماكن لا تنتم ثمة أماكن لا تنتمي إلى الجغرافيا بقدر ما تنتمي إلى الذاكرة، و”المسجد العتيق” بمنطقة المحاميد التابعة لمقاطعة المنارة بمراكش، ليس مجرد كتلة من الحجر المنحوت أو زوايا من الجص المزين، بل هو ذلك الميناء الروحي الذي رسا عنده إيمان أجيالٍ تعاقبت منذ عام 1945
لقد كان هذا الصرح، الذي يلمُّ شتات أكثر من ألف مصلٍّ، بمثابة “نبض” الحي، وملاذه الأخير من صخب الفناء وضجيج التيه. ولكن، وعلى حين غرة، تحولت هذه المنارة إلى “مساحة صامتة” موصدة الأبواب، وكأنَّ الزمن الذي بنى هذا المكان توقف فجأة عن الجريان، ليترك خلفه أسئلةً معلقة في الهواء، يتردد صداها في أزقة الحي الحزينة:
لماذا يُصادرُ حقُّنا في العبادة خلف أسوارٍ من غموض؟
لماذا تكتسي العمارةُ اليوم ثوبَ الصمتِ المطبق، تاركةً خلفها الروحَ في عزلةٍ لا تستسيغها الفطرة؟
هذا الإغلاق “المباغت” للمسجد دون لوحة إرشادية تشرح طبيعة الإصلاحات، أو تضع جدولاً زمنياً للانتهاء، أو حتى تذكر الجهة المسؤولة، يطرح إشكالية تتجاوز الجانب التقني. إننا نتحدث عن “حرمة” و”مصلحة عامة”، كما يولد فراغاً في الثقة، فالمصلون الذين ارتبطوا بهذا المكان لثمانية عقود، لا يطالبون بمعجزات، بل يطالبون بـ “الحق في المعرفة”، إن الفلسفة الإدارية تتطلب وضوحاً؛ فحينما تُغلق مؤسسة دينية بهذا الحجم، يصبح الإغلاق في حد ذاته خبراً يستوجب التقدير والاحترام لمشاعر الناس، لا تعتيماً يثير التأويلات
،أكثر ما يثير لوعة الساكنة في المحاميد، ليس فقط تعطل مرافق المسجد أو الحاجة إلى البحث عن بدائل بعيدة، وانما هو “صمت الأذان ولذلك، تتسائل الساكنة بمرارة: *إذا كان الجسد يحتاج إلى ترميم، فهل يحتاج الصوت أيضاً إلى صمت؟* إن الأذان ليس مجرد نداء للصلاة، بل هو “توقيت روحي” يضبط إيقاع الحياة اليومية، ويمنح الحي هويتهن إن بقاء الأذان معلقاً يترك في نفوس الناس شعوراً بالوحشة والقطيعة مع إرثهم الروحي. فبأي منطق يتم حرمان الحي من “الله أكبر” التي طالما كانت صمام أمانهم في وجه صخب الحياة المادية؟
إننا لا ننكر ضرورة الإصلاح، فالصيانة حق للمكان ليظل صامداً للأجيال القادمة، لكننا نؤكد أن صيانة “العمارة” لا يجب أن تكون على حساب “العمران الإنساني”، إن المسجد الذي تأسس في عام 1945 يحمل في طياته دماء الآباء وذكريات الأجداد، وهو اليوم ينتظر من المسؤولين التفاتة مسؤولة ، تعطي الاعتبار لكل ماسبق، وضرورة وضع لوحة إشهارية واضحة تبين مدة الأشغال والجهة المشرفة على هذا الورش ، وضرورة التفكير في حل تقني سريع يسمح ببقاء الأذان يصدح، فليس من المعقول أن نرمم “البيت” ونحرم الساكنة من “دعوة ساكن البيت”. إننا نضع هذا النداء أمام الجهات المعنية بمقاطعة المنارة، ليس كشكوى عابرة، بل كصوتٍ يمثل أكثر من ألف مصلٍ، ينتظرون عودة الحياة إلى هذا الصرح، ويأملون ألا يطول أمد الغياب في زوايا الغموض.