ب/بنحماد
يواجه المجتمع المغربي تحولا جذريا في أنماط استهلاكه، حيث انتقل فعل التسوق من مجرد استجابة لضرورات معيشية إلى سلوك نمطي متكرر يغذيه “هوس الشراء” وتنامي النزعة الاستهلاكية، هذا التحول يتجلى بوضوح في الإقبال الكثيف الذي تشهده المراكز التجارية والأسواق خلال محطات موسمية مفصلية كشهر رمضان، والدخول المدرسي، وفترات التخفيضات الكبرى، حيث يتجاوز التهافت حدود الحاجة الفعلية ليتحول إلى ظاهرة اجتماعية مدفوعة بالرغبة في محاكاة المحيط السوسيو-ثقافي والاستجابة للعروض الترويجية المكثفة
إن هذا “التهافت الاستهلاكي” يعكس في جوهره حاجة نفسية للتموضع الاجتماعي بقدر ما يعكس تأثرا مباشرا بآليات التسويق الحديثة التي تجعل من الاقتناء غاية في حد ذاتها، وقد لعبت الطفرة الرقمية وتغلغل وسائل التواصل الاجتماعي دورا حاسما في تسريع وتيرة هذا السلوك، من خلال الإعلانات الموجهة وخوارزميات التأثير التي تستهدف الفئات الشابة على وجه الخصوص
كما أن صعود التجارة الإلكترونية، بما توفره من سهولة في الدفع وسرعة في التوصيل، قد ألغى الحواجز التقليدية أمام فعل الشراء، محولا إياه إلى عملية لحظية تفتقر في كثير من الأحيان إلى التفكير العقلاني أو التخطيط المسبق، هذا “التسوق بنقرة زر” ساهم في تكريس ثقافة الاستهلاك الفوري، مما جعل الأسر المغربية أكثر عرضة للمؤثرات الخارجية التي تروج لنمط عيش قد لا يتوافق بالضرورة مع واقعها المادي. وفي المقابل، يدق خبراء الاقتصاد والاجتماع ناقوس الخطر بشأن التداعيات الوخيمة لهذا الإفراط الاستهلاكي على التوازنات المالية للأسر، خاصة في سياق يتسم بارتفاع مطرد في أسعار المواد الأساسية وضغوط معيشية متزايدة، فالاندفاع نحو شراء السلع غير الضرورية غالبا ما يؤدي إلى اختلالات حادة في الميزانية السنوية، مما يدفع فئات واسعة نحو فخ الاستدانة والقروض الاستهلاكية قصيرة الأمد لتغطية نفقات تكميلية. هذا الوضع يضع القدرة الشرائية للمواطن المغربي في مواجهة مباشرة مع “إغراءات الوفرة”، مما يهدد الاستقرار المالي طويل الأمد للأسرة ويقلص من هوامش الادخار الضرورية لمواجهة الطوارئ
إن الرهان الحقيقي للمجتمع المغربي اليوم يكمن في صياغة “عقد استهلاكي جديد” يرتكز على الوعي المالي وترتيب الأولويات، فمواجهة سيكولوجية الحشود في التسوق تتطلب تعزيز ثقافة التخطيط العقلاني والتمييز بين الحاجة الحقيقية والرغبة العابرة التي تصنعها الماكينة الإعلانية. في نهاية المطاف، يبقى ترشيد الاستهلاك ليس فقط ضرورة اقتصادية للحفاظ على التوازنات المكرواقتصادية للدولة، بل هو صمام أمان اجتماعي لضمان كرامة الأسر واستقرارها في ظل عالم يتسم بتقلبات اقتصادية لا ترحم.