
العالم
الوثيقة الأربعون: دستور ‘السيادة الموزعة’ الذي ينهي نزاع الصحراء بمنطق المؤسسات لا الشعارات
**محمد الحياني
بين ثنايا الوثيقة التي كشف عنها موقع “أتالايار” الإسباني، تتبدى ملامح تحول استراتيجي في العقل السياسي المغربي، حيث لم يعد “مقترح الحكم الذاتي” مجرد شعار سياسي أو مبادرة دبلوماسية عامة، وانما استحال إلى مشروع “دستور جهوي” متكامل الأركان، صيغ بلغة معيارية صارمة وبنفس قانوني يغوص في أدق التفاصيل التقنية
هذا الانتقال من “الإعلان” إلى “التنظيم” يعكس رغبة الرباط في تقديم إجابات نهائية وشافية للمجتمع الدولي، متجاوزة لغة النوايا إلى لغة المؤسسات، إن إسناد صياغة هذا المتن إلى “تريو” من كبار المستشارين الملكيين (عزيمان، الفاسي الفهري، والهمة) يمنح الوثيقة صبغة “التعاقد السيادي” الذي يحمل ختم أعلى سلطة في البلاد، مما يؤشر على أننا أمام “النسخة التنفيذية” النهائية التي يراد لها أن تنهي نزاع العقود الخمسة. تحليليا، تبرز “الهندسة المعيارية” لهذا المقترح كعملية جراحية دقيقة لفك الارتباط بين مفهوم “السيادة” ومفهوم “التدبير” فبينما يتمسك المغرب بالسيادة المطلقة عبر “القائمة الحصرية” التي تشمل الدفاع والعملة والدبلوماسية والقضاء الأعلى، فإنه يمنح “الجهة” سلطة تشريعية وتنفيذية واسعة النطاق تحاكي في عمقها الأنظمة الفيدرالية المتقدمة أو أنظمة الحكم الذاتي في إسبانيا (الأقاليم التاريخية) واللافت هنا هو “بند الولاء الدستوري” الذي يشكل صمام أمان قانوني؛ فهو يمنح الصلاحيات بيد، ويضبطها بمبدأ “وحدة الدولة” باليد الأخرى، مع وجود “حق الفيتو السيادي” للتدخل في حالات الضرورة القصوى لحماية السلامة الترابية
هذه المقاربة هي “السهل الممتنع” في القانون الدستوري، حيث يتم خلق “كيان سياسي جهوي” قوي دون الانزلاق نحو “شبه الدولة” التي قد تهدد المركز. إعلاميا وسياسيا، تظهر نقطة التماس الأكثر سخونة في كيفية تعيين “رئيس الحكومة الجهوية”، هنا يكمن جوهر الصراع الرمزي والمؤسساتي؛ فبينما يصر المقترح المغربي على “التنصيب الملكي” لضمان الامتداد العضوي للعرش في الأقاليم، يطالب الطرف الآخر بالانتخاب المباشر بحثاً عن “شرعية موازية”، هذا الخلاف ليس تقنيا بل هو جوهر “فلسفة الحكم الذاتي” التي يتبناها المغرب، والتي تقوم على فكرة أن الحكم الذاتي هو “توضيع جديد للسلطة” داخل المملكة وليس “انفصالا مقنعا”
كما أن إدماج “الشرعية القبلية” في البرلمان الجهوي يعكس ذكاء سوسيولوجيا يزاوج بين الحداثة الانتخابية (الاقتراع العام) وبين الخصوصية الثقافية للمنطقة، مما يضمن استيعاب النخب التقليدية داخل المنظومة الجديدة، أما على المستوى المالي والاقتصادي، فإن الوثيقة تذهب بعيداً في تكريس “الاستقلال المالي” عبر ضرائب جهوية وإتاوات على الموارد الطبيعية، وهو رد مباشر على التشكيكات الدولية حول تدبير الثروات. لكن “الرقابة المزدوجة” على الاستثمارات الأجنبية تظل حجر زاوية يضمن عدم تحول الجهة إلى “جزيرة اقتصادية” معزولة عن الاستراتيجيات الوطنية الكبرى، مثل المبادرة الأطلسية. وفي الشق الإنساني، تبدو آليات العودة والمصالحة (نزع السلاح والعفو) بمثابة “خارطة طريق” لما بعد النزاع، تهدف إلى تسييل مخيمات تندوف ديموغرافيا وسياسيا داخل الإطار الجديد
إن الربط بين تفعيل هذا النظام وبين “الاستفتاء الوطني” و”الحصانة الدستورية” يمنح المشروع شرعية شعبية وقانونية تجعله غير قابل للتراجع، مما يضعه في مرتبة “العقد الاجتماعي الجديد” الذي يتجاوز مجرد التسوية السياسية العابرة ليصبح جزءا أصيلا من الهوية الدستورية للمغرب المعاصر
