**مصطفى الابيض
في لحظة فارقة، انكسر صمت الجفاف الطويل تحت وقعِ غيث جادت به السماءُ بغزارة لم تمهل الأرض وقتا لامتصاصها، فانقلب المشهد من ترقّب المطر إلى مصارعة الأمواج في الشمال، ومكابدة الثلوج في قمم الأطلس، إن ما تشهده مدننا ومداشرنا اليوم، من القصر الكبير شمالا إلى أقاصي أزيلال وورزازات، لهو اختبار حقيقي لمعدن “الدولة-الأمة” التي تحركت بكل ثقلها المؤسساتي
لترميم الانكسارات التي خلفتها الفيضانات ومحاصرة بياض الثلوج الذي استحالَ عزلة قاتلة، وسط هذا الهدير، تبرز ملاحم إنسانية تقودها “أطياف الأمان”؛ حيث تحولت مروحيات الدرك الملكي إلى طيور أبابيل تحمل الحياة للمناطق المعزولة، وتكسر حصار الثلوج في أعالي الجبال لتموين الأسر وإجلاء الحالات الاستعجالية، بينما يرابط رجال الوقاية المدنية والسلطات المحلية والقوات المساعدة في قلب “عين العاصفة”، محولين أجسادهم وآلياتهم إلى سدود منيعة لحماية المواطنين من تدفقات الوديان الغادرة
إن هذا الالتحام الميداني بين القوات العسكرية والأمنية والمدنية ليس مجرد بروتوكول أزمات، بل هو تجسيد حقيقي لسياسة القرب، حيث يصبح “إنقاذ الروح” هو البوصلة الوحيدة وسط ضباب الشتاء وقسوة التضاريس. بيد أن هذه الملحمة الميدانية تضعنا أمام مرآة الحقيقة؛ فالتدبير الاستعجالي الناجح، رغم بطولاته، يظل “مسكنا” للألم وليس علاجا للمرض
إن الرهان الحقيقي الذي يفرضه واقع “التغير المناخي” يكمن في تعزيز “ثقافة الاستباق” وبناء “يقظة معرفية” مجتمعية تجعل من التحذيرات الجوية دستورا يوميا للمواطن لدرء المخاطر قبل وقوعها، فالاستشراف هو نصف النجاة، ونشر الوعي بمخاطر عبور الأودية أو التواجد في النقاط السوداء هو حجر الزاوية في منظومة السلامة الشاملة، وفي العمق، تظل “البنية التحتية” هي الحلقة التي تحتاج إلى ثورة حقيقية؛ فلا يستقيمُ أن تظل مدننا وقرانا رهينة لقنوات تصريفٍ ضيقة أو جسور تخنقها الأوحال
إن الحاجة باتت ماسة لتعزيز شبكة الطرق القروية والمنشآت الفنية، وهيكلة أحياء الهامش لتصمد أمام التدفقات المباغتة، مع ضرورة الاستثمار في “العمارة المقاومة للمناخ” التي تحفظ كرامة الإنسان في الجبل كما في المدينة، إن هذه الأمطار، رغم عنفوانها، هي رزق غسل جراح العطش، لكنها في الآن ذاته صرخة تقنية تدعونا لترميم جدارنا الدفاعي البنيوي، ليكون المغرب دائما بيتا آمنا، يزهرُ بالمطر.. ولا يغرق فيه