من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العالم

حين يغصّ الفراغ بالذاكرة… قراءة في مقهى محمود درويش الداخلي

مصطفى الابيض
يقول محمود درويش
لدي ما يكفي من الذكريات
لأشرب قهوتي وحدي
في مقهى يظنه الجميع فارغا
ولكنه يغص بالغائبين
هذا التعبير الدرويشي الجميل هو أحد تلك الجمل التي تختصر فيها حياة كاملة، وينطق فيها ما لا تستطيع القصائد الطويلة قوله، فدرويش هنا لا يتحدث عن مقهى بالمعنى العابر، بل عن فضاء داخلي، عن غرفة الروح حين تتحول الذاكرة إلى ضيوفٍ يستحيل طردهم
حين يقول: “لدي ما يكفي من الذكريات” فهو يعلن امتلاكا غريبا لا علاقة له بالأشياء، بل بالظلال التي بقيت بعد رحيل أصحابها، الذكريات عنده ليست حنينا جميلا فهي عبئ نبيل، فهي لا تمنحه القوة فقط، بل تمنحه العزلة أيضا
،هي رفقته في جلسته المنفردة، وجمهوره في صمته، وخيطه السري الذي يربطه بالماضي حتى وهو يقدّم نفسه كعابر سبيل في الحاضر والمقهى الذي “يظنه الجميع فارغا” هو استعارة عميقة للإنسان الذي يبدو وحيدا في ظاهر حاله، بينما تضج روحه بالحضور القديم،هو المكان الذي يراه الآخرون خاليا من الناس، لكنه في نظر الشاعر امتلأ بمن رحلوا، بمن أحبّهم، بمن عبروا حياته وتركوا فيها أثرا لا تمحوه السنوات،
إنه ازدحام الغياب وفوضى الذكريات التي لا تهدأ ،درويش هنا يلتقط لحظة إنسانية يعرفها كل من عاش خسارةً أو فراقا: لحظة الجلوس في مكان عام، فيما العوالم الحقيقية تجري داخلك، لا حولك، أنت في الظاهر فرد وحيد أمام فنجان قهوة، وفي الباطن مسكون بجنود الذاكرة، كل وجه، كل ضحكة، كل خيبة و كل يد لامست يدك، كل وداع لم تجد له جملة مناسبة،جميعها تعود لتجلس حولك كما لو أن الزمن استدار إلى الوراء
وفي قول الشاعر إن المقهى “يغص بالغائبين” قمة المفارقة: الغائبون هنا أكثر حضورا من الحاضرين، والأحياء في ذاكرة الشاعر أقرب من الجالسين فعلا، وكأنه يقول: الغياب ليس فراغا، بل حضور بصيغة أخرى، بل إن كثافة الغياب تجعل المقهى مكتظا، والروح مزدحمة بالوجوه، وأنت حين تقول إنك تتفق معه،
أن الذكريات رفقة لا تقل وطأة عن البشر، وأن الوحدة ليست دائما فراغا، بل أحيانا تكون امتلاء مفرطا، حتى إنك تحتاج إلى فنجان قهوة لتستوعب ما يمر داخلك من ضجيج خفي
هذا البيت الدرويشي هو درس صغير عن الإنسان: نحن لا نجلس وحدنا قط… نجلس برفقة كل من مر في روايتنا، حتى الذين لم يعودوا فيها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى