
بن طلحة بالجزائر … المجزرة التي فضحت صمت الدولة ودمرت براءة الوطن
ديكوفري ماروك
في تلك الليلة السوداء من سبتمبر 1997، تحولت بلدة بن طلحة الصغيرة، الواقعة على بعد نحو خمسة عشر كيلومترا جنوب العاصمة الجزائرية، إلى مسرح لجريمة جماعية اهتز لها الضمير الإنساني،أكثر من مئتي قروي دبحوا بدم بارد، في واحدة من أبشع المذابح التي شهدتها الجزائر خلال سنواتها العشر العجاف،وبينما سقطت الأجساد في بساتين البرتقال، ظلّ السؤال يطارد ذاكرة الأمة: من قتل في بن طلحة؟ كانت البلاد آنذاك تغرق في فوضى دموية أعقبت إلغاء الجيش للانتخابات التشريعية عام 1992، التي كانت ستمنح الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزا كاسحا، تصاعدت المواجهات بين الجماعات الإسلامية المسلحة والسلطة، وتحولت قرى مثل بن طلحة إلى فضاءات معزولة، خارج سلطة الدولة، تهيمن عليها لغة السلاح والخوف
القرية التي أحاطت بها الحقول، وأحاط بها الصمت كذلك، كانت قد شهدت حضورا مكثفا لعناصر الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA)، التي سيطرت على المنطقة وفرضت منطقها الحديدي. ومع مرور الوقت، تماهى الخوف مع الحياة اليومية للسكان، حتى بات البعض ينضم إلى المجموعات المسلحة اتقاء لشرها
ليلة 22 سبتمبر، تسللت العصابات من بين البساتين، وبدأت المذبحة. كانوا يتحركون من بيت إلى بيت، يقتلون الرجال والنساء والأطفال بوحشية لا يفسرها سوى السقوط الكامل في ظلام الكراهية. بنادق، سكاكين، ومناجل. صرخات ملأت السماء، وطائرات هليكوبتر تحلّق فوق المكان دون أن تتدخل.
روايات الناجين كانت كالسكاكين في الذاكرة: الجنود تمركزوا خارج القرية ولم يتحركوا. هنا انقسمت الروايات بين من حمّل الجماعة الإسلامية المسلحة المسؤولية المباشرة عن المذبحة، وبين من رأى أن الدولة كانت حاضرة بصمتها، متهمةً بعدم التدخل، وربما أكثر من ذلك. الكاتب نصر الله يوس، أحد الناجين، في كتابه “من قتل في بن طلحة”، اتهم السلطات باختراق الجماعة المسلحة، وتحريكها من وراء الستار لتبرير الحرب القذرة ضد الإسلاميين
كتابه منع في الجزائر، لكنه فتح بابا واسعا للشكوك والأسئلة التي لم تجد جوابا إلى اليوم. في المقابل، أصرت الرواية الرسمية على أن الجناة معروفون، ينتمون إلى الجماعة الإسلامية المسلحة بقيادة الزوابري وولد حمران، اللذين أعدما لاحقًا. وقد عرض التلفزيون شهادات تقول إن سكان القرية أنفسهم تعرفوا على المهاجمين، وأن بعضهم من أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ
لكن ما لا يمكن إنكاره هو ذلك الصمت العسكري المريب، وذلك الضوء الكاشف الذي أضاء الطريق للقتلة. تفاصيل صغيرة كفيلة بتحويل السؤال البريء إلى اتهام ثقيل: لماذا لم تتحرك القوات وهي على مرمى البصر من المذبحة؟ لماذا مُنع المدنيون من إنقاذ أهلهم؟ ولماذا بدت الكاميرات الرسمية أكثر حضورًا من البنادق؟ في النهاية، بقيت بن طلحة جرحا مفتوحا في ذاكرة الجزائر، مذبحة لم تكن مجرد حادثة، بل مرآة تعكس عمق الانقسام الذي مزق البلاد، حين صار الدم وسيلة للحكم والخوف بديلا للسياسة والعدالة، وبين رواية «الإرهاب الأعمى» واتهامات «الدولة الخفية»، يظل السؤال الأخلاقي والسياسي معلقا في سماء الجزائر: من الذي ذبح بن طلحة؟ وهل كان الليل وحده من تواطأ مع القتلة؟
