
البشير.. طفولة مغتصبة وحيدة بين براثن الصمت
مصطفى الأبيض ✍️
لم يكن الطفل البشير يتجاوز الثالثة عشرة حين تحول جسده النحيل إلى ساحة جريمة جماعية ارتكبتها وحوش بشرية بلا ضمير، في موسم “مولاهم” عبدالله بالجديدة، يتيم الأب، يعيش في الهامش، لا يملك من أسلحة الحياة سوى براءة طفولية، وجد نفسه بين أنياب بشر نزعت منهم الرحمة، القصة لم تعد مجرد خبر عابر في نشرات الحوادث، إنها اليوم مرآة صادمة تكشف وجها آخر لمغرب يعجز عن حماية أبنائه من أبشع الجرائم: الاغتصاب
ثلاث موقوفين حتى الآن، والتحقيقات تلاحق آخرين، لكن الحقيقة المؤلمة أعمق بكثير من عدد الموقوفين أو محاضر الضابطة القضائية، الحقيقة أن طفولة البشير صارت شاهدة على “هشاشة المنظومة برمتها”: قضاء لا يردع بما يكفي، مجتمع يختبئ خلف جدار العار، ومنظومة حكومية تكتفي بإطلاق الخطب والبرامج الورقية،
كيف لطفل يتيم أن يُستدرج إلى هذا المصير البشع؟
أين المدرسة التي لم تُحصنه؟ أين الجمعيات التي لم ترَ ضعفه؟
أين القانون الذي لم يردع الوحوش قبل أن تنهش جسده؟
وأين نحن ” كمجتمع” حين نكتفي بالتعاطف والغضب على الفيسبوك دون أن نضغط لخلق آليات وقائية حقيقية؟
إن قضية البشير ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة ما دام التعاطي مع جرائم الاغتصاب في المغرب محصورا في منطق “الحادثة والاعتقال “، نحن بحاجة إلى نقلة نوعية: تشريعات زجرية أقسى، تضع الاغتصاب ضمن خانة “جرائم ضد الإنسانية” حين يكون الضحية طفلا، وضع برامج ولجن مهنية قوية تقدم الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا وأسرهم، حتى لا تتحول الجروح إلى موت بطيء، ان تكون هناك إرادة سياسية حقيقية ترى في حماية الطفولة أولوية، لا مجرد ملف ثانوي في رفوف وزارة ما، لقد تحوّل اسم البشير إلى رمز. رمز لطفولة مهشّمة تصرخ في وجهنا جميعا: “أنقذوا الأطفال قبل أن يتحوّلوا إلى عناوين مأسوية”، إننا لا نملك ترف الصمت، ولا رفاهية التبرير. فجرائم الاغتصاب ليست شأنا عائليا ولا قرويا ضيقا في شبكات التواصل الاجتماعي؛ إنها وصمة في جبين وطن بأكمله.
فحين لا نحمي أطفالنا، فنحن نغتال مستقبلنا بأيدينا. فليكن البشير صرختنا جميعا،صرخة من وراء الميكروفون، لا تسمح بالتجاهل، ولا تقبل بالنسيان.
