
المغاربة.. من نكون حقا؟ الجينات تحكي ما لا تقوله الألسن
♦محمد خرطوف
من الأمور التي تثير الفضول لدى الكثيرين حول المغاربة هو ذلك الإصرار العجيب على القول إنهم “ليسوا عربا” و”ليسوا أفارقة”، بل ببساطة: “نحن مغاربة”، قد يبدو هذا التصريح في ظاهره تعبيرا عن الانتماء الوطني، لكنه في العمق يخفي خلفه تساؤلات أعمق عن الهوية والجذور، ولم يكن أحد يتخيل أن العلم، وتحديدًا علم الجينات، سيكون حليفا لهذا الخطاب الشعبي المتداول، ليكشف أن ما كان يبدو عنادا ثقافيا، له جذور بيولوجية وتاريخية موثقة.
في عام 2005، أطلقت ناشيونال جيوغرافيك مشروعا علميا غير مسبوق لتحليل الحمض النووي البشري في مختلف مناطق العالم، في محاولة لفهم الهجرات البشرية القديمة، والأصول العرقية والجينية للشعوب، نتائج المشروع، التي شملت منطقة شمال إفريقيا، قلبت الكثير من المسلّمات، ونسفت التصورات الكلاسيكية عن “العروبة الوراثية” في بلدان المغرب الكبير. فالمعطيات أظهرت بوضوح أن سكان هذه المنطقة، وخصوصا المغاربة، يحملون في أحماضهم النووية تركيبة فريدة تهيمن عليها المكونات الأمازيغية، مع حضور هامشي للمكون العربي، الذي لا يتجاوز 4% في الجينوم المغربي، مقابل 88% من الجينوم المحلي المرتبط بشمال إفريقيا
لقد بدا جليا أن الفتح العربي كان في جوهره تعريبا ثقافيا، لغويا ودينيا، في حين ظل السكان الأصليون – الأمازيغ – يحتفظون بهويتهم الوراثية، حتى في مصر، التي لطالما اعتبرت من أركان العروبة، لم تتجاوز نسبة الجينوم العربي 17%، بينما شكل الجينوم الشمال إفريقي 68%، مع بقايا من الشتات اليهودي وإفريقيا جنوب الصحراء، المفارقة الأكبر جاءت من أوروبا، التي رغم مرور الجيوش الإسلامية عبر أراضيها، لم تحتفظ بأي أثر جيني عربي في شعوبها، بينما حافظت على نسبة 9% من الجينوم الشمال إفريقي في إسبانيا والبرتغال، في إشارة إلى التفاعل التاريخي العميق بين الضفتين
ما يكشفه هذا المشروع لا يقف عند حدود القارة، بل يمتد إلى أمريكا الجنوبية، حيث وجدت آثار للجينوم الشمال إفريقي في بلدان مثل بيرو وكولومبيا وبورتوريكو، نتيجة لتاريخ معقّد من التهجير وتجارة الرقيق،لكن الأكثر إثارة للدهشة هو الرابط الذي اكتشفه العلماء بين الأمازيغ في المغرب وشعب “السامي” في شمال أوروبا، وهو ارتباط جيني يمتد لأكثر من 9000 سنة، يشير إلى موجات قديمة من الهجرة والصيد أعادت رسم الجغرافيا البشرية بعد العصر الجليدي
إنها ليست مجرد نتائج مخبرية، بل دعوة لإعادة قراءة التاريخ والهويات بعيدا عن الخطابات السياسية والاختزالات الإيديولوجية، فالمغاربة ليسوا عربا بالمعنى البيولوجي، وليسوا أفارقة فقط، بل هم شعب يحمل في خلاياه قصة فريدة، متجذرة في أعماق الأطلس، وممتدة نحو أزمنة سحيقة وسواحل بعيدة، ولعل هذه المعطيات تفتح الباب أمام نقاش هادئ وواعٍ حول معنى الانتماء، وحول ضرورة المصالحة مع الذات ومع الذاكرة العميقة التي لا تُروى في الكتب، بل تُقرأ في الجينات.
ففي زمن تشتد فيه الحاجة إلى الهويات الواضحة، يظهر المغاربة كحالة استثنائية، لا تنتمي إلى التصنيفات البسيطة. إنهم، كما يقولون، “مغاربة فقط”، وهذا القول، بعد هذه الاكتشافات، لم يعد مجرد شعار عاطفي، بل حقيقة علمية.