من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العلوم

مديرة الوثائق الملكية… مسار امرأة أعادت للتاريخ وزنه الحقيقي

♦محمد خرطوف

في عمق جبال الأطلس، وتحديدا من بلدة آيت عتاب بإقليم أزيلال، ولدت امرأة اختارت أن تنبش في صفحات التاريخ، لا لتسرده فحسب، بل لتعيد تشكيله برؤية علمية وأمانة فكرية جعلت منها إحدى أبرز الشخصيات المغربية في مجال الوثائق والتاريخ المعاصر.

إنها بهيجة السيمو، التي تسلقت مدارج المعرفة بتؤدة وثبات، حتى بلغت قمة المسؤولية في إدارة الوثائق الملكية، في سابقة تحسب لمسار نسائي نادر في حقل معرفي شديد التخصص، ولدت سنة 1958، وشقت طريقها الأكاديمي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، قبل أن تفتح لها الجامعات الفرنسية نوافذ البحث والتخصص الدقيق، فحصلت على دبلوم الدراسات المعمقة من جامعة فرانش-كومتي، ثم نالت شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون في موضوع الإصلاحات العسكرية بالمغرب بين 1844 و1912، قبل أن تتوّج مسيرتها العلمية بدكتوراه الدولة من جامعة محمد الخامس في الرباط حول العلاقات المغربية الإيطالية.

اختارت التاريخ العسكري ميدانا لتمرسها العلمي، وهو مجال يتطلب قدرة استثنائية على استيعاب التحولات الجيوسياسية والآثار الاجتماعية والثقافية للصراعات، ونجحت فيه بتفوق نادر، منذ سنة 2002، اشتغلت أستاذة للتاريخ المعاصر بجامعة محمد الخامس، ونشرت أعمالا أكاديمية مهمة في مجالات الأرشيف، والوثائق، والعلاقات الدولية، إلى جانب مشاركاتها في ندوات ومؤتمرات مرموقة داخل المغرب وخارجه،

وموازاة مع ذلك، شاركت في جهود النشر العلمي المتخصص، فأصدرت مؤلفات باللغتين العربية والفرنسية، منها “روائع الكتابة بالمغرب – مخطوطات نادرة”، و”المغرب وفرنسا: المسار نحو الاستقلال”، و”العلاقات المغربية الفرنسية عبر العصور”، و”المغرب الوسيط: إمبراطورية بني إفريقيا وإسبانيا”، وهي كتب تعكس صرامة الباحث ودقته في الاشتغال على الذاكرة التاريخية المغربية.

في سنة 2014، نالت وسام العرش من درجة ضابط، وفي 2016، وُشّحت بوسام جوقة الشرف الفرنسي، وهو أعلى تكريم تمنحه فرنسا في المجال المدني، وهو اعتراف دولي بمكانتها الفكرية والعلمية، كما تشغل عضوية بارزة في اللجنة العلمية للتراث الثقافي (ALIPH)، وأكاديمية علوم ما وراء البحار، والجمعية المغربية للبحث التاريخي، واللجنة المغربية للتاريخ العسكري، وغيرها من الهيئات التي تشهد لها بالكفاءة والتأثير.

في رؤيتها للتاريخ، لا تراه سردا جافا للأحداث، بل بنية فكرية تبنى على تعدد الوثائق وتنوعها: من المخطوط، إلى اللوحة، إلى اللقى الأثرية، وتعتبر الوثيقة التاريخية حجر الزاوية في بناء الوعي الجماعي، ولذلك أولت، من خلال مديرية الوثائق الملكية، عناية كبيرة لأرشفة الذاكرة الوطنية، مدعومة برؤية ملكية تعتبر الوثيقة رافعة للهوية الحضارية.

إشرافها على معارض كبرى داخل المغرب وخارجه يبرز البعد التواصلي لفكرها، من معرض “المغرب الوسيط” الذي نظّم في متحف اللوفر، إلى “روائع الكتابة بالمغرب” في باريس، و”مواقع خالدة من باميان إلى تدمر”، وهي محطات تؤكد حضورها كمثقفة تمارس الدبلوماسية الثقافية بهدوء العارف. لكنها، رغم كل ذلك، لم تنفصل عن جذورها الجبلية، حيث آمنت بأن للثقافة دورًا في التنمية، فأسست “دار المعرفة” في شلالات أوزود، وأشرفت على مهرجان سينما الجبل، في سعي منها إلى جعل الفن السابع أداة لتسليط الضوء على القرى المهمشة.

وفي مبادرة ذات أبعاد اجتماعية ورياضية، تم انتخابها أخيرًا كأول رئيسة لفريق نجم الجبل لكرة القدم بشلالات أوزود، تأكيدا على قناعتها بضرورة دعم الشباب وتمكينهم في الهامش، بهيجة السيمو ليست فقط مديرة للوثائق الملكية، بل هي صوت جبلي هادئ شق طريقه إلى قمم الذاكرة الوطنية والعالمية، منقبة في الأرشيف، ومؤمنة بأن الوثيقة ليست بقايا الماضي، بل دليل المستقبل.


♦ مراجع رسمية ومؤسساتية

الموقع الرسمي لمديرية الوثائق الملكية المغربية-

 معلومات حول مهام المديرية وأهدافها، وتدخلات بهيجة السيمو كمديرة مسؤول

الموقع متاح غالبًا من خلال البوابة الوطنية للوثائق

maroc.ma

بلاغات وزارة الثقافة والشباب والتواصل- 

حول مشاركاتها في معارض كبرى مثل “روائع الكتابة بالمغرب” و”المغرب الوسيط” ومداخلاتها الأكاديمية

المنصة الرسمية لمتحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر-

أرشيف المعارض التي أشرفت عليها السيمو أو نسقتها، مثل معرض اللوفر أو أوزود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى