
حين يصل القضاء إلى منصات التواصل.. أين تقف حرية التعبير وأين تبدأ المسؤولية؟
برقاش
أثارت أحكام قضائية قضت بمنع بعض صناع المحتوى المغاربة من النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي لفترات محددة، نقاشاً متجدداً حول طبيعة الفضاء الرقمي وحدود المسؤولية القانونية داخله، خصوصاً في ظل تنامي تأثير “المؤثرين” وتحول حساباتهم إلى منصات يتابعها عدد كبير من المواطنين.
فمواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد مساحة للتسلية وتبادل الصور والفيديوهات، بل أصبحت فضاءً للتعبير، وصناعة الرأي، والإخبار، والتسويق، وأحياناً ممارسة أنشطة لها تأثير مباشر على المجتمع.
ومن هذا المنطلق، يرى عدد من الفاعلين أن ما يجري داخل العالم الرقمي لا يمكن فصله عن القواعد القانونية التي تحكم الحياة العامة. فالمستخدم، وفق هذا التصور، يظل مسؤولاً عن المحتوى الذي ينشره، خاصة عندما يتجاوز حدود التعبير المشروع ويدخل في أفعال قد يجرمها القانون. في المقابل، يثير قرار المنع من النشر أسئلة حقوقية لا تقل أهمية، من بينها
هل يمكن اعتبار حرمان شخص من استعمال منصاته الرقمية لفترة معينة مجرد عقوبة قانونية، أم أنه قد يشكل أيضاً تقييداً لحقه في التعبير والتواصل مع الجمهور؟ ويرى فاعلون مدنيون أن معالجة ظاهرة المحتوى المسيء أو غير الهادف لا ينبغي أن تقوم على العقوبات وحدها، لأن القضاء والردع القانوني، رغم أهميتهما، لا يستطيعان بمفردهما تغيير طبيعة المحتوى المنتشر على المنصات.
فالمطلوب، بحسب هذا الطرح، هو موازاة تطبيق القانون مع نشر ثقافة المسؤولية الرقمية، وتأهيل صناع المحتوى، وتحسيس المتابعين بخطورة بعض السلوكيات، وتشجيع المحتويات التي تقدم قيمة مضافة للمجتمع.
كما أن المسؤولية لا تقع فقط على عاتق صانع المحتوى، بل تمتد أيضاً إلى الجمهور الذي يساهم أحياناً في انتشار بعض المواد من خلال المشاهدة والمشاركة والتعليق، فضلاً عن دور المؤسسات والمجتمع المدني ووسائل الإعلام في ترسيخ الاستخدام المسؤول للفضاء الرقمي
أما من الناحية القانونية، فيؤكد مختصون أن ارتكاب الفعل عبر الإنترنت لا يمنحه حصانة قانونية، وأن القضاء يمكنه التدخل عندما يتعلق الأمر بأفعال يعاقب عليها القانون، مع اختلاف طبيعة العقوبات والتدابير بحسب كل قضية ووقائعها والحكم الصادر فيها.
وبين ضرورة حماية المجتمع من التجاوزات الرقمية، والحفاظ في الوقت نفسه على حرية التعبير، يبدو أن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط بمنع هذا المؤثر أو ذاك من النشر، وإنما بمستقبل الفضاء الرقمي نفسه، وبالقواعد التي ينبغي أن تحكم العلاقة بين الحرية والمسؤولية.
