من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العالم

ما وراء أسلاك سبتة.. قراءة في سيكولوجيا اليأس وأزمة الثقة في المستقبل

** مصطفى الابيض

لا يمكن اختزال ما شهدته مدينة سبتة المحتلة خلال صيف 2026 في أرقام الموقوفين أو محاولات العبور أو التدابير الأمنية التي رافقت الحدث، فالمشهد في عمقه يكشف عن أزمة اجتماعية ونفسية تتجاوز الحدود والأسلاك الشائكة، وتعكس حالة من القلق الجماعي لدى فئة واسعة من الشباب الذين أصبحوا يرون في الهجرة خيارا للهروب من واقع يعتقدون أنه لم يعد قادرا على احتضان طموحاتهم، إن ما جرى لم يكن مجرد محاولة لعبور الحدود،وانما رسالة احتجاج صامتة تعبر عن اتساع الفجوة بين المواطن ومستقبله داخل وطنه ،ومن الزاوية النفسية، تكشف هذه الظاهرة عن انهيار الإحساس بالأمان تجاه المستقبل
فالشباب الذين يغامرون بأرواحهم في ظروف قاسية لا تحركهم فقط الرغبة في تحسين أوضاعهم المعيشية، لكن يقودهم شعور عميق بـأن المستقبل داخل الوطن أصبح أكثر غموضا من المجهول الذي ينتظرهم خلف البحر
وفي هذا السياق، تلعب منصات التواصل الاجتماعي دورا مؤثرا في تشكيل صورة مثالية عن الحياة في الضفة الأخرى، حيث تقدم نماذج نجاح وانتعاش اقتصادي بمعزل عن الصعوبات الحقيقية التي تواجه المهاجرين، مما يوسع الهوة بين التوقعات والواقع ويغذي أوهام الخلاص السريع. أما من الناحية السوسيولوجية والسياسية، فإن الظاهرة تعكس اهتزاز الثقة في قدرة المؤسسات على تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص
فحين تتراجع فرص الشغل، وتتزايد معدلات البطالة، ويشعر الشباب بأن آفاق الترقي الاجتماعي أصبحت محدودة، تتحول الهجرة من مشروع فردي إلى تعبير جماعي عن فقدان الثقة في المستقبل، وفي هذه اللحظة، لا يصبح البحر مجرد معبر جغرافي، بل يتحول إلى وسيلة احتجاج صامتة على واقع يراه كثيرون عاجزا عن الاستجابة لتطلعاتهم
إن القراءة الحقيقية لصدمة سبتة لا ينبغي أن تنحصر في المقاربة الأمنية أو في تعزيز المراقبة على الحدود، لأن ذلك لا يعالج سوى النتائج الظاهرة للأزمة، أما جذورها الحقيقية فتتطلب إصلاحات عميقة تشمل التعليم والتكوين وسوق الشغل والسياسات الاجتماعية، إلى جانب إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، وترسيخ الإحساس بأن الوطن قادر على احتضان أحلام شبابه وتوفير شروط الكرامة والاندماج
إن أكبر تحد يفرضه هذا الحدث ليس عدد محاولات الهجرة أو حجم التدخلات الأمنية،وانما الخطر المتمثل في تراجع الإيمان بإمكانية تحقيق المستقبل داخل الوطن، ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي لا يكمن في تشديد الرقابة على الحدود، بل في بناء بيئة اقتصادية واجتماعية تفتح أمام الشباب آفاقا حقيقية للعمل والإبداع والمشاركة، حتى يصبح الوطن فضاء لتحقيق الأحلام، لا نقطة انطلاق نحو المجهول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى