
السياحة
من سبتة إلى بكين: كيف فرض المغرب قواعد الندية وأربك حسابات مدريد والأوروبيين؟
** مصطفى الابيض
تضع التطورات المتسارعة على خط الرباط ومدريد ومن خلالهما التكتل الأوروبي العلاقات الجيوسياسية في المنطقة أمام لحظة إعادة تعريف حاسمة وتاريخية، حيث لم تعد الثنائيات التقليدية وقواعد اللعبة القديمة قادرة على استيعاب التحولات العميقة التي يفرضها المغرب كفاعل إقليمي وازن ويملك هامشا واسعا للمناورة الدبلوماسية والاستراتيجية، فالأحداث الأخيرة المحيطة بملف سبتة والمناوشات السياسية داخل المشهد الإسباني والداخلي الأوروبي تعكس في جوهرها حالة من الارباك والتوجه نحو قراءة معطيات الواقع بأدوات الماضي، بينما تحرك المغرب بخطوات واثقة وحاسمة لإعادة صياغة خارطة تحالفاته الدولية بمنطق النفعية المتبادلة والاستقلالية القرارالوطني، وهو ما يتجلى بوضوح في تحويل بوصلته والشراكات الاستراتيجية نحو القوى الصاعدة وعلى رأسها الصين التي أضحت شريكا اقتصاديا وتنمويا يتجاوز الشرطية السياسية والابتزاز التاريخي الذي مارسته بعض الأطراف الأوروبية لعقود
إن هذا التحول الهيكلي في العقيدة الدبلوماسية المغربية يمثل خيارا سياديا مدروسا يربط التنمية بالأمن والاستقرار، ويفرض على القارة العجوز إدراك أن المغرب لم يعد يقبل بلمعب الدور الكلاسيكي للحارس الأمامي للحدود الأوروبية أو الشريك المشروط بمعادلات صفرية، لكن هو قطب رئيسي في معادلة الشراكة جنوب شمال وجنوب جنوب، وهو المعطى الذي يفسر الارتباك السياسي في مدريد والتذبذب الأوروبي تجاه الملفات الجوهرية وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية والسيادة الوطنية
إن الرهان الأوروبي على محاولة الضغط المالي أو استخدام الأوراق القنصلية كالتأشيرات وأدوات الرقابة الحدودية قد أثبت محدوديته أمام دولة تعيد رسم توازناتها الدولية عبر شراكات ضخمة في البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة مع بكين وتستند إلى جبهة داخلية متماسكة، ورؤية ملكية متبصرة تتجاوز العقد الجغرافية لتجعل من المملكة جسرا استراتيجيا بين إفريقيا والعالم الإشراقي الصاعد
ولعل الدرس الأبرز الذي يجب على صناع القرار في إسبانيا والاتحاد الأوروبي استيعابه هو أن القراءة المتأنية لمتغيرات سنة 2026 تقتضي التعامل مع المغرب بلغة المصالح المتكافئة والند للند، بعيدا عن الرؤى الاستعمارية المتجاوزة أو الخطابات المزدوجة، لأن بدائل الرباط المتاحة أضحت أكثر تنوعا وقوة وتثبيتا لمكانتها الدولية كرقام لا يمكن تجاوزها في المعادلة الأورو متوسطية والدولية
