يبدو أن ممارسة كرة القدم بقلعة السراغنة لم تعد مجرد رياضة للترويح عن النفس، لكن تحولت بقدرة قادر إلى استثمار تجاري مكتمل الأركان يحسب فيه الزمن بالدقيقة وتستخلص فيه الإتاوات بالدرهم ،طرأ على المنظومة الرياضية بالمدينة مفهوم جديد ينص على أن حلم الطفل في ركض ساعة من الزمن خلف الساحرة المستديرة يقتضي منه تسديد 50 درهما عدا ونقدا، في الوقت الذي تشير فيه المعطيات الميدانية إلى أن أرضية الملعب المذكور تشبه لوحة موزاييك من الحفر والتعديلات البدوية، وهنا يفرض السؤال التحريري نفسه بمرارة: إذا كانت الساعات تتوالى وحصالات التحصيل تمتلئ يوميا، فلماذا تصر الأرضية على استقبال أقدام الأطفال بأشكال من الحفر والتصدعات التي تشبه الحفريات الأثرية؟
إن الوقوف أمام هذا المشهد الكاريكاتوري يضع القائمين على الشأن المحلي لكرة القدم ومصالح مندوبية الرياضة بالإقليم أمام مسرحية من المسؤوليات المتبادلة التي غاب فيها منطق الحكامة، كيف يتحول مرفق اجتماعي يفترض فيه احتضان الشباب وتقليص نسبة الجريمة والانحراف إلى صندوق تجاري يجني الأموال بغير وصولات رسمية وبلا أثر مالي يذكر على المنشأة ذاتها؟ يتساءل الشارع السرغيني بنبرة ملؤها التهكم عن مصير هذه التدفقات المالية اليومية، فهل تذهب العائدات لتطوير البنية التحتية والمرافق الصحية التي تشكو التهالك، أم أن الأموال تتبخر في الطريق نحو جهات غير معلومة تكتفي بتدبير العداد ودفع الأطفال نحو المجهول؟ الأطفال الصغار الذين يلتقطون أنفاسهم بين حفرة وأخرى داخل هذا الملعب المبرقع لا يفهمون شيئا في خبايا التدبير المرفقي، ولا يعرفون كيف تتحول الـ50 درهما إلى ميزانية ضخمة تراكمها أسابيع من الحجز المتواصل
إنهم يرغبون فقط في ممارسة حقهم البسيط في اللعب والتنافس الشريف في فضاء آمن ونظيف يقي أجسادهم خطر الإصابات الناتجة عن رداءة الأرضية، غير أن صمت الجهات الوصية عن إشهار القوائم المالية وتقديم حسابات دقيقة لأوجه الصرف يجعل المنظومة الرياضية برمتها في مرامى المساءلة، ويحول ملاعب القرب من مشاتل لتفريغ المواهب إلى مجرد محلبات مالية تنزف جيوب الأسر محدودة الدخل
إن الشفافية والوضوح في إدارة هذا الفضاء الرياضي ليسا مجرد مطالب كمالية، هما التزام قانوني يستوجب خروج القائمين على الشأن المحلي ومندوبية الشباب والرياضة ببيانات توضيحية تشرح طبيعة الاتفاقيات المبرمة وتكشف عن مآل المداخيل المستخلصة، لا يمكن التذرع بغياب الميزانيات لصيانة أرضية الملعب في الوقت الذي يستمر فيه التحصيل اليومي دون انقطاع، إذ يظل السؤال الأكثر إلحاحا وسخرية على ألسنة المواطنين: هل نحتاج إلى تشكيل لجنة تقصي حقائق لمعرفة كيف تبخرت عائدات 50 درهما الساعية، أم أن إصلاح حفرة في ملعب للأطفال بات يستدعي خطة إنقاذ وطنية؟