
العالم
هندسة التوافقات الصعبة: كيف يعيد القانون 09.26 صياغة معادلة الرئاسة في المجلس الوطني للصحافة؟
**محمد خرطوف
يخطئ من يظن أن السباق نحو رئاسة المجلس الوطني للصحافة في المغرب يحكمه منطق الشعبية الإعلامية أو منطق التسريبات التي تملأ الكواليس الفسيحة للقطاع؛ فالواقع التنظيمي الذي أرسته المقتضيات الأخيرة للقانون رقم 09.26 ينقل الاستحقاق من مربع “المعاركة الانتخابية” إلى مربع “الهندسة التوافقية”، ولذلك فالتركيبة الدقيقة للمجلس، والمتشكلة من 17 عضوا موزعا بالتساوي بين الصحافيين المهنيين (7 أعضاء) والناشرين (7 أعضاء)، إلى جانب 3 أعضاء يمثلون مؤسسات وطنية حيوية، تجعل حسم الرئاسة رهينا بالقدرة على إقامة كتلة صلبة عابرة للحساسيات، وليس فقط بالهيمنة على فئة دون أخرى
وفي هذا السياق المعقد، يبرز التراجع المعلن لإدريس شحتان عن الترشح للرئاسة كمعطى صحفي يفرض إعادة قراءة الخريطة بعيدا عن التكهنات المتداولة؛ إذ يتحول الرجل بحكم ثقله القيادي في الجمعية المغربية للناشرين وخبرته الإعلامية من مربع المترشح المفترض إلى موقع المؤثر المحوري في صياغة التحالفات، خاصة مع قرب موعد الاقتراع المحدد في 15 شتنبر
2026 إن خطورة المرحلة الانتقالية تكمن في ثلاثة مستويات للتكتلات: تنافس الحساسيات داخل فئة الصحافيين بين الصحافة الإلكترونية والمؤسسات الكبرى والامتدادات النقابية، وحساسية مسطرة الانتداب لدى الناشرين التي تمنح المنظمات المهنية وزنا سياسيا وثقلا كبيرا، إضافة إلى الدور الترجيحي الحاسم لأعضاء المؤسسات الوطنية الثلاثة في حال تقارب الأرقام هذا الشلل المحتمل أملته بيئة مهنية متوترة أصلا، حيث تعلو أصوات نقابية وهيئات مهنية رافضة للقانون الجديد ومحذرة من مساسه باستقلالية التنظيم الذاتي، مما يجعل المراهنة على رئيس ذي طابع تصادمي بمثابة مغامرة غير محسوبة وبناء عليه، فإن القيادة القادمة للمجلس لن تتطلب صوتا عاليا بقدر ما تحتاج شخصية قادرة على أداء دور الحكم المحايد وتشييد جسور الثقة بين المقاولة الصحفية والدولة والصحافي
إن المعركة الحقيقية بالتالي لن تقتصر على معرفة اسم ساكن الكرسي، بل تفترض مجلسا يمتلك الجرأة الأخلاقية والمؤسساتية لترسيم الحدود الحازمة بين السلطة والمهنة، ووضع حد لتصفية الحسابات الضيقة، ليكون ضمانة حقيقية لتنظيم ذاتي يحمي أخلاقيات الصحافة واستقلاليتها وهذه التوافقات المفترضة ستنعكس بشكل مباشر على الملفات الشائكة التي تنتظر المجلس المقبل؛ وفي مقدمتها ملف بطاقة الصحافة والولوج إلى المهنة ، حيث سيتعين على القيادة الجديدة صياغة معايير تنظيمية صارمة تحد من الفوضى دون المساس بحرية الممارسة، إلى جانب إدارة معادلة الدعم العمومي المقترن بهيكلة المقاولات الإعلامية، وهو الملف الذي يتطلب توازنا دقيقا بين تطلعات الناشرين في ضمان الاستدامة المالية وتأكيد الصحافيين على ربط الدعم بالالتزام بالاتفاقيات الجماعية وتجويد الأوضاع الاجتماعية
كما يظل الرهان الأكبر متمثلا في حماية لجنة الأخلاقيات من أن تتحول إلى أداة للصراع أو الضغط، وضمان ممارسة أدوارها بحياد تام يعزز مصداقية التنظيم الذاتي إن قدرة المجلس القادم على معالجة هذه القضايا الحيوية بعيدا عن الحسابات الضيقة هي التي ستحدد ما إذا كانت هذه الهندسة التوافقية ستؤسس لمرحلة نضج واستقرار مهني، أم أنها ستكتفي بإعادة إنتاج التجاذبات السابقة بصيغة تنظيمية جديدة.
