من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العالم

صهوة الفكر في وجه العاصفة الرقمية: بين زوال الصنائع وبقاء الكيان الإنساني

** يوسف بوحجلة

 ان الازمان دول والدهر ذو تقلبات عجيبة يبدي للعالمين طورا بعد طور عجائب ما خطرت ببال ولا جرت في حسبان وها نحن اليوم نشهد طوفانا من المعارف والتقانات المبيحة لكل معجزة سمي التسونامي الرقمي وهو تيار جارف لا يبقي ولا يذر من طرائق العيش السالفة الا رمادا تذروه الرياح ولم يعد الخطر مقصورا على اصحاب السواعد الخشنة والصنائع اليدوية فحسب بل تجاوزهم ليبلغ عقر دار اصحاب الياقات البيضاء أولئك الذين طالما اتكؤوا على أرائك الفكر التقليدي واطمأنوا إلى محاريب الحفظ والتكرار
لقد كانت المهن الكلاسيكية تعد حصونا منيعة لأصحابها غير أن الذكاء الاصطناعي بما أوتي من قدرة خارقة على معالجة البيانات وسرعة في استرجاع المعلومات وحساب الحسابات دون ككل أو ملل قد أتى على عروش تلك المهن فقوض أركانها فكل عمل يقوم على روتين محفوظ أو قواعد مكررة منمطة بات في قبضة الخوارزميات قيد الاستبدال والإزاحة وصار الاعتماد على الحفظ والسرد بضاعة مزجاة لا تسمن ولا تغني من جوع في سوق العمل الحديثةأمام هذا التحول الجذري العظيم غدا لزاما على أولي الأمر والمصلحين في قطاعات التربية والتعليم أن يخلعوا رداء الجمود ويسقطوا المناهج العتيقة التي تقوم على الحشو والتلقين الأعمى
إن الأنظمة التعليمية الكلاسيكية التي تخرج أفواجا من العقول المشابهة لما تنتجه الماكنات قد أصبحت عقيمة لا تغني في مواجهة النوازل الحديثة والواجب اليوم هو تأسيس مدارس ومعاهد تعنى ببناء العقل المبدع وتغرس ملكة التأمل والإتيان بكل جديد نافع ومع كل ما أوتيت به الآلة من ذكاء اصطناعي مبثوث فإن هناك مواطن إنسانية خالصة تعجز الأبرج الرقمية عن بلوغها أو الإتيان بمثلها كالتفكير النقدي الأصيل القُدرة على تمييز الغث من السمين واختراق ظواهر الأمور إلى بواطنها وإصدار الأحكام الحكيمة في المواقف المعقدة التي لا تسعفها القواعد الجامدة والتعاطف الإنساني العَميق معرفة أسرار القلوب واستشعار آلام الآخرين وآمالهم والتفاعل الوجداني الذي يقيم جسور المودة والثقة وهو ما تفتقر إليه الحواسيب الصم البكم مهما تدرجت في المدارج وإن التمسك بهذه الفضائل والمهارات الفريدة هو طوق النجاة الوحيد لضمان البقاء المهني واستمرار التأثير الإنساني في عالم تتسارع خطاه
وختاما فإن التاريخ لا يرحم الغافلين والعصر الرقمي لا يعترف بالأعذار وليست المهن التقليدية لتعود سيرتها الأولى إلا إذا امتزجت بروح الابتكار وعانقت التقنية الحديثة وإن العاقل هو من أعد عدته واستبصر أمره فامتلك ناصية المهارات العليا ليبقى سيدا لزمانه لا عبدا لصنع يديه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى