من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العالم

بيان النقابة الوطنية للصحافة المغربية يرسم معالم مواجهة جديدة حول مستقبل المهنة

** هيئة التحرير
 لم يكن البيان العام الصادر عن المجلس الوطني الفدرالي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية عقب دورته الرابعة مجرد وثيقة تنظيمية تستعرض مواقف نقابية اعتيادية، بل جاء بمثابة إعلان سياسي ومهني متكامل عن مرحلة جديدة من الاشتباك المؤسساتي حول مستقبل الصحافة المغربية، في سياق تتداخل فيه رهانات الإصلاح التشريعي، واستقلالية التنظيم الذاتي، والأوضاع الاجتماعية للصحافيات والصحافيين، والتحولات العميقة التي فرضها العصر الرقمي على بنية المهنة وأدوارها
ويكشف البيان، من خلال لغته ومضامينه، عن انتقال النقابة من موقع رد الفعل إلى محاولة بناء رؤية متكاملة لإصلاح القطاع، مستندة إلى خلاصات المؤتمر التشاوري الذي سبق انعقاد المجلس الوطني بيوم واحد، وهو ما يمنح ذلك بعدا استراتيجيا يتجاوز حدود تدبير الملفات الآنية نحو رسم أولويات المرحلة المقبلة، فالتركيز على اعتماد توصيات المؤتمر مرجعية لعمل المكتب التنفيذي يعكس رغبة واضحة في تحويل النقاش الفكري والمهني إلى برامج ترافعية ومبادرات عملية تستهدف التأثير في السياسات العمومية المرتبطة بالإعلام، ويبرز ملف المجلس الوطني للصحافة باعتباره المحور الأكثر حساسية في البيان، حيث لم تكتف النقابة بتجديد انتقادها لتدبير اللجنة المؤقتة، وإنما ذهبت إلى التشكيك في المنهجية المعتمدة لإعداد مشروع القانون الجديد، معتبرة أن المقاربة الحالية تفتقر إلى التشاركية اللازمة ولا تعكس إرادة الجسم الصحفي
والأهم من ذلك أن البيان لم يحسم بشكل نهائي في مسألة المشاركة أو المقاطعة في الانتخابات المقبلة، بل أبقى الباب مفتوحاً أمام مختلف الاحتمالات، مع تفويض المكتب التنفيذي صلاحية اتخاذ القرار وفق تطورات المشهد وضمانات النزاهة والاستقلالية، وهو ما يمنح النقابة هامشاً واسعاً للمناورة السياسية والنقابية خلال الأسابيع المقبلة. ويحمل هذا الموقف رسالة واضحة مفادها أن النقابة لا تريد أن تكون طرفاً يمنح الشرعية لأي مسار انتخابي لا تتوفر فيه شروط المنافسة الحرة والاستقلالية، وفي الوقت نفسه لا ترغب في إغلاق باب الحوار أو استباق مآلات النقاش التشريعي والمؤسساتي، وهو توازن يعكس إدراكاً لحساسية المرحلة وتعقيداتها
وفي الجانب الاجتماعي، يبدو البيان أكثر وضوحا وحزما، إذ يعيد ترتيب أولويات الملف المطلبي انطلاقاً من ربط الدعم العمومي للمقاولات الإعلامية باحترام الحقوق الاجتماعية للعاملين، وفي مقدمتها التصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وانتظام صرف الأجور، والالتزام بالحكامة والشفافية. ويعكس هذا التوجه قناعة متنامية داخل الجسم النقابي بأن المال العمومي يجب أن يتحول إلى آلية لتحسين شروط العمل داخل المؤسسات الإعلامية، لا إلى مجرد وسيلة لإنقاذ المقاولات دون ضمان حقوق العاملين بها
كما أن مطالبة النقابة بتطبيق مقتضيات الاتفاق الاجتماعي بأثر رجعي بالنسبة للمؤسسات التي استفادت من دعم الأجور ولم تف بالتزاماتها، تكشف عن رغبة في الانتقال من مرحلة الاتفاقات المعلنة إلى مرحلة الإلزام الفعلي بالتنفيذ، بما يعزز الثقة في الحوار الاجتماعي ويمنح الاتفاقات الموقعة قيمة قانونية وأخلاقية أكبر، ولا يقل ملف الاتفاقية الجماعية أهمية عن باقي القضايا التي أثارها البيان، إذ تعتبرها النقابة مدخلا أساسيا لإعادة تنظيم العلاقات المهنية داخل القطاع، وتحسين الأجور، وتوفير ضمانات الاستقرار المهني والحماية الاجتماعية. وهي مطالب تعكس واقعاً تعيشه شريحة واسعة من الصحافيين الذين ما زالوا يواجهون هشاشة مهنية وتفاوتا كبيرا في شروط العمل بين مختلف المؤسسات الإعلامية
ومن اللافت أيضاً أن البيان وسع دائرة اهتمامه لتشمل الفئات التي غالباً ما ظلت خارج أولويات النقاش العمومي، مثل الصحافيين العاملين بنظام العمل الحر، والمتقاعدين، والعاملين بالإذاعات الخاصة، إضافة إلى المقاولات الإعلامية الناشئة، في مؤشر على محاولة صياغة رؤية أكثر شمولية تستوعب التحولات التي يعرفها سوق الإعلام، خصوصاً مع تنامي المنصات الرقمية وتغير نماذج الإنتاج والتمويل، أما في ما يتعلق بالإعلام العمومي، فقد أعادت النقابة التأكيد على ضرورة اعتماد مقاربة تشاركية في مشروع القطب العمومي الموحد، مع التشديد على حماية الحقوق المكتسبة للعاملين، ورفض استمرار بعض الصيغ التعاقدية التي تعتبرها مجحفة، خاصة ما يتعلق بالصحافيين العاملين بنظام “المقاول الذاتي”، وهو ملف أصبح يثير نقاشا متزايدا حول حدود المرونة في التشغيل ومدى انسجامها مع مبادئ العدالة الاجتماعية.
وفي ملف الحريات، حافظ البيان على خطه التقليدي في الدفاع عن حرية الصحافة، لكنه ربط ذلك هذه المرة بتنامي اللجوء إلى القضاء في قضايا النشر، معتبرا أن معالجة النزاعات المهنية ينبغي أن تمر أولا عبر آليات التنظيم الذاتي وأخلاقيات المهنة، وهو موقف يعكس تمسك النقابة بإعطاء الأولوية للمقاربات المهنية بدل المقاربات الزجرية، مع تجديد تضامنها مع الصحافيين المتابعين بسبب ممارستهم لعملهم
كما توقف البيان عند ملف الاعتمادات الإعلامية الخاصة بالتظاهرات الرياضية، مطالبا بإرساء معايير شفافة وعادلة في توزيعها، وهي قضية اكتسبت أهمية متزايدة مع اقتراب المغرب من احتضان استحقاقات رياضية كبرى، حيث أصبحت العدالة في الولوج إلى التغطيات الإعلامية جزءاً من النقاش المرتبط بالحكامة الإعلامية
ويكشف الإعلان عن توجيه مذكرة تفصيلية إلى رئيس الحكومة ووزير الشباب والثقافة والتواصل، إلى جانب إطلاق حوار مع الأحزاب السياسية حول مكانة الإعلام في البرامج الانتخابية، فالنقابة تسعى إلى نقل النقاش من الإطار المهني الضيق إلى الفضاء السياسي والمؤسساتي، في محاولة للتأثير في السياسات العمومية الخاصة بالقطاع قبل الاستحقاقات المقبلة، وفي بعده الدولي، حافظ البيان على موقفه الثابت في التضامن مع الشعب الفلسطيني وإدانة استهداف الصحافيين في مناطق النزاع، مع الدعوة إلى اعتماد اتفاقية دولية لحماية الصحافيين، وهو موقف ينسجم مع الخطاب الحقوقي الذي دأبت النقابة على تبنيه في المحافل الدولية
وفي المجمل، يعكس البيان العام للمجلس الوطني الفدرالي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية مرحلة دقيقة يعيشها القطاع، حيث تتقاطع رهانات الإصلاح التشريعي مع المطالب الاجتماعية، وتتداخل أسئلة استقلالية التنظيم الذاتي مع تحديات التحول الرقمي، في وقت يبدو فيه مستقبل المهنة مرتبطاً أكثر من أي وقت مضى بقدرة مختلف الفاعلين على بناء توافقات حقيقية تضمن صحافة مهنية مستقلة، وتحمي حقوق الصحافيات والصحافيين، وتؤسس لمنظومة إعلامية أكثر قوة واستقلالية ومواكبة للتحولات الوطنية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى