من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العالم

إيقاع الطين وصهوة الوجد: “الدقة” بين أصالة المنبع ومسخ المعاصرة

** يوسف بوحجلة 
 في كنف الوجدان المغربي الأصيل، تولد “الدقة” لا كعزفٍ تلهو به الأنامل، بل كطقس وجودي وحوارية كونيّة تتقاطع فيها الدائرة والمستقيم؛ حيث تنصهر الذوات في الجماعة لِيُصبح الصوت واحاً والزمن واحداً، ة إن الحفريات التاريخية تؤكد، بلا مرية، أن هذا الفن انبعث أولاً من رحم الحاضرة السعدية التليدة *”تارودانت”، حيث صاغه الصنّاع التقليديون من عرق كدحهم، قبل أن ينتقل مع الهجرات الحرفية إلى أحياء مراكش العتيقة، ليتخذ هناك طابعاً احتفالياً ارتبط ببركات “سبعة رجال
ويبلغ هذا الفن ذروته الروحية في *أيام عاشوراء*، حيث يغادر الحرفيون دكاكينهم ليحولوا ضربات مطارقهم إلى نقرات إيقاعية تطهر الجسد، في تصالح ميثاقي بين المادة والروح. ولم يكن هذا الصرح الروحي ليستمر لولا شيوخ روادٌ حفظوا “السر”؛ بدءاً من أعلام تارودانت كالمعلم الطاهر بن بيهي ومحمد مانا، وصولاً إلى جهابذة مراكش أمثال لݣعير، ومهري،و  المرحوم محمد بابا بلمقدم احد رواد فن الݣور، وعبد الكبير مرشان، والمرحوم حميد الزاهر الذي عبر بالبهجة المراكشية نحو آفاق العالمية
“ليلة الݣور” والاكتمال الفلسفي وإذا كانت الدقة فصولاً من النقر والترتيل، فإن *”ليلة الݣور”* هي تجليها الأسمى ومقام كمالها؛ حيث يتلاحم الرجال كتفاً بكتف في حلقة دائرية ترمز للوحدة والاندماج الروحي، تتدرج من الوقار الصامت لتنتهي بذروة الجذبة والصخب المقدس الذي يطهر النفس من أدرانها. 
 بيد أن هذا الإرث الباذخ يمر اليوم بمنعطفٍ كارثي جراء ما تقترفه بعض الفرق الهجينة تحت مسمى “التحديث” وتطوير “فن التقتقات”. إن ما يحدث اليوم ليس تجديداً، بل هو “مسخٌ” وتشويه للهوية التراثية*؛ حيث استُبدلت رصانة “الݣريحة” الارتجالية بصخب إلكتروني فج واستعراض تجاري رخيص
إن تجريد “الدقة” من روحها وطقوسها يهدد باجتثاث جذورها الرودانية والمراكشية الأصيلة، مما يستوجب وقفة حزم من حماة الثقافة لإعادة الاعتبار والوقار لهذا النبض الضارب في أعماق التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى