** مصطفى الابيض
تتشابك في فضاء الكتابة الإبداعية خيوط خفية تصل جغرافيا المكان بمسارات الوجدان الباطني، لتتحول المدينة من مجرد حيز جغرافي أصم وثابت إلى كائن حي يتنفس عبر الكلمات، ويتشكل من خلال الرؤى السوسيولوجية والفلسفية التي يضفيها المبدع على محيطه، وضمن هذا الأفق المعرفي والجمالي الفسيح، يبرز الحبر كأداة لمقاومة النسيان واستنطاق الذاكرة الجمعية، حيث العمل الأدبي الذي لا ينفصل عن سياقه الاجتماعي، بل يعيد صياغته برؤية فلسفية تحول المشاهدات اليومية والتاريخية إلى لوحات إنسانية نابضة بالحياة وحين نتأمل المنجز الإبداعي والفكري في الساحة الثقافية المغربية المعاصرة، نجد أن التفاعل بين الروح والمجال، والإنسان والكون، يشكل النواة الصلبة التي تنبثق منها مقاربات فكرية متميزة تسائل الوجود والهوية
في هذا السياق، يطالعنا ديوان “شظايا العارفين” للمهندس المعماري والباحث الأستاذ محمد أمين مكامان ، ليمثل نموذجا فذا للتقاطع الخلاق بين الهندسة كعلم للمجال والبنية، وبين التصوف كعلم للروح والباطن إن كتابات مكامان تتخذ شكل نصوص حرة ومناجاة محملة بنفس رمزي كثيف؛ حيث لا يعود الحرف مجرد أداة تعبيرية، لكن يصبح لبنة في بناء خطاب يسعى للكشف الباطني وتجاوز الظواهر، هنا تتجلى سوسيولوجيا الأدب في أبهى صورها؛ إذ ينطلق الكاتب من وعيه المعماري بقضايا التعمير وتحولات الهوية في السياق المعاصر، ليعيد صياغة العلاقة بين الفضاء الحي والخصوصية الثقافية والمجالية في ظل عواصف العولمة إن قصائده ونصوصه العرفانية تسائل مفاهيم الحقيقة، العشق، والفناء ، معيدة صياغة العالم برؤية شاعرية تجعل من الحبر نورا يضيء عتمة المادة، ومن الورق فضاء ممتدا لبناء صروح المعاني التي تلامس شغاف القلب وتستنهض الفكر،
على الضفة الأخرى من هذا النهر الفكري المتدفق، يقف كتاب “أسرار وأخبار مراكش” للدكتور عمر السلكي ، ليقدم مقاربة سوسيو-تاريخية وتربوية بالغة العمق لمدينة مراكش الحمراء، إن شخصية السلكي الغنية والمتعددة المشارب، باعتباره رجل تربية وسياسة وجمعويا خبر الشأن العام ، تنعكس بشكل جلي على أسلوبه الإبداعي والتحليلي؛ حيث يبدو الحديث عن مؤلفه أشبه بمحاولة الإمساك بخيوط لوحة سوسيولوجية متعددة الألوان، يمتلك الكاتب ناصية الكلمة ليجمع بين الإقناع الفكري والإمتاع الأدبي ، مستحضرا التاريخ والذاكرة الجمعية للمدينة كبنية حية تسهم في بناء الإنسان المعاصر ومن خلال خلفيته الأكاديمية والتربوية،
يضع المعرفة في صلب مشروعه، محققا توازنا بديعا بين التحليل العقلاني للأبعاد الاجتماعية والسياسية، وبين النفحة الروحية المستنيرة التي تؤمن بأن بناء المجتمعات لا يكتمل إلا بتكامل الوعي الفكري والجسدي والوجداني، إن القراءة المتقاطعة لهذين المؤلفين على ضوء الفلسفة الأدبية وسوسيولوجيا الفن تكشف عن تلاق عميق في الجوهر واختلاف مخصب في الأدوات؛ فبينما يفكك مكامان بنية العالم ماديا وروحيا ليعيد بناءها عبر شظايا العرفان والربط بين الروح والمجال ، يقوم السلكي بترميم الذاكرة الحضرية والاجتماعية لمراكش مستلهما أسرارها وأخبارها لتحصين الهوية ومقاومة النسيان البشري كلاهما ينطلق من فضاء مراكش التاريخي، لكن أحدهما يرتفع بالمكان نحو آفاق التجريد والتأمل الفلسفي الصوفي ، والآخر يتجذر به في تفاصيل البنية الاجتماعية، والتربوية، والتاريخية
في نهاية المطاف، يثبت هذان العملان أن القراءة العميقة والكتابة الرصينة ليستا ترفا فكريا، بل هما ضرورة حتمية لاستكمال نضجنا الإنساني، والارتقاء بوعينا الجمعي في زمن باتت فيه السطحية تهدد جوهر الثقافة والإبداع