** يوسف بوحجلة
تتعمق هذه الدراسة النقدية في تفكيك بنية “الوهم الأدبي” الذي أحاط بنسب قصيدة “صوت صفير البلبل” للأصمعي، مستندة إلى تحليل مجهري للحيثيات والهوامش التاريخية التي أسقطت شرعية هذا النص، حيث تنطلق الإشكالية المركزية من غياب السند التاريخي الموثق؛ فبالرغم من شهرة الواقعة في الوعي العام ، إلا أن مراجعة متفحصة لأمهات كتب التراجم كـ “وفيات الأعيان” لإحسان عباس و”سير أعلام النبلاء”، تكشف عن بياض توثيقي مريب، إذ لم يرد ذكر لهذه القصة في المصادر التي عاصرت أو تلت العصر العباسي مباشرة، وهو غيابٌ يعد في فقه التحقيق “قرينة منهجية” قوية تضعف الرواية، خاصة وأن المؤرخين اعتادوا تدوين تفاصيل إنسانية وعلمية أقل شأنا من هذا التحدي المفترض
وعند الغوص في السيرة العلمية للأصمعي، يظهر تناقض صارخ بين طبيعة النص ومنهج الرجل؛ فالأصمعي، باعتباره أحد أعمدة المدرسة البصرية، بنى مجده العلمي على صرامة “السماع” من فصحاء الأعراب، واتسمت مؤلفاته مثل “كتاب الإبل” بنزوع علمي دقيق نحو الوصف والتحقيق، في حين يعكس جهده في “الأصمعيات” رغبة أصيلة في توثيق عيون الشعر العربي الرصين
وبالإضافة إلى ذلك، تبرز “إشكالية الزمن” كحائط منيع أمام صحة الرواية، إذ تفيد المعطيات الواردة في “تاريخ بغداد” أن النشاط العلمي الحقيقي للأصمعي وبروزه كشخصية مرجعية حدثا في مرحلة زمنية لاحقة لفترة حكم الخليفة أبي جعفر المنصور، مما يجعل اللقاء المفترض بينهما موضع تساؤل تاريخي عميق
أما على مستوى تحليل “المتن”، فإن القصيدة يهيمن عليها التكرار الصوتي المفتعل على حساب البناء الدلالي، مع رصد اختلالات عروضية واضحة في الوزن، وهي سمات تبعد النص كليا عن تقاليد الشعر العربي الجزيل التي كان الأصمعي حارسا لها، إن هذه الحيثيات تقودنا بالضرورة إلى استنتاج أن الرواية بـأبعادها الحكائية (الحفظ الخارق، التحدي، الجائزة) ليست سوى بنية سردية نمطية تنتمي لروح “الأدب الشعبي” الذي يميل إلى التخيل وصناعة الأساطير حول العباقرة
وبناء عليه، يظل هذا النص، في ضوء الهوامش العلمية والتحقيق الرصين، نموذجا لـ “الانقطاع التاريخي” الذي يستوجب الحذر الأكاديمي في نسبته إلى إمام اللغة الأصمعي