** مصطفى الابيض
العمر في حقيقته ليس إلا مجرد رقم في سجلات الحالة المدنية، لكن أسلوب حياتك هو الحبر الحقيقي الذي يكتب تفاصيل قصتك، ويحدد ملامح حقيقتك الفكرية والجسمانية أمام مرآة العالم
إن الفرق بين خمسيني يطارد الضوء في ميادين الرياضة والنشاط، وآخر في نفس السن يظنه الرائي كهلا أكل عليه الدهر وشرب، هو الفرق بين النهر الجاري الذي يجدد عذوبته بالحركة، والمستنقع الراكد الذي يفسد بالسكينة، فالأول أدرك أن الجسد “أمانة” وليس “مخزنا” للكسل، والثاني استسلم لغواية الراحة فصار جسده “بيتا مهجورا” تسكنه رطوبة الأمراض ويتآكل بصدأ الخمول
إننا نعيش في عصر لم يعد فيه الزمن عائقا بل مطية، حيث تبرز الاستعارة الكبرى في أن الإنسان “نبتة” إن توقفت عن امتصاص ماء المعرفة والحركة جفت عروقها ولو كانت في ربيع العمر، الواقع يصفعنا بنماذج لشباب في الثلاثين سكنهم “الوهن” الفكري والبدني، بينما نرى شيوخا في الستين يملكون “عنفوان الخيل” في السباق، لأنهم آمنوا بمبدأ “المؤمن القوي” الذي لا ينهزم أمام التجاعيد
فالدين والحياة يخبراننا أن القوة ليست في صلابة العظم فحسب، بل في توهج الإرادة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ من “العجز والكسل”، وهما التوأمان اللذان يصنعان الكهولة قبل أوانها
الحقيقة المرة أن المجتمع قد يمنحك شهادة “التقاعد”، لكن الحياة لا تمنحك إذن “الانطفاء”، من يظنه الناس كهلا في الخمسين هو من قرر أن يضع نقطة النهاية قبل أن يكتمل السطر، فأصبح “شيخا” في عين الغرباء لأنه فقد “بوصلة الشغف” وأهمل “هيكل الروح”، إن الحياة تشبه الحياكة؛ فإما أن تنسج ثوبا من القوة والوقار الرياضي يرتديه جسدك بفخر، أو تترك خيوطك للريح حتى تهترئ،
تذكر دائما أن “الأرقام” للإحصاء فقط، أما “الأفعال” فهي التي تحدد من أنت؛ فكن ذلك الذي إذا مر بين الناس قيل: “هذا رجل سلب من الزمن مفاتيحه”، ولا تكن ذلك الذي ينتظر النهاية على رصيف الانتظار، فالعمر يكتبه أسلوبك، والجسد يحفظ أسرار اهتمامك به كرسالة وفاء للخالق الذي أحسن تصويرك