حين يلج الزائر رواق “برج باب مراكش” التاريخي بالصويرة، يجد نفسه أمام تجربة فنية للفنان محمد السنوسي تتجاوز مفهوم العرض التقليدي لتصبح بوحا وجوديا يعيد صياغة العلاقة بين المادة والروح
إن أعمال السنوسي في معرضه “اللغة التشكيلية” لا تقدم صورا بقدر ما تقدم “كيانات” بصرية ملموسة، حيث تتحول اللوحة إلى مسرح لعملية أركيولوجية تحفر في ذاكرة الأرض والإنسان؛ فتداخل الأقمشة والخيوط والنتوءات يخلق تضاريس وجدانية توحي بأن الفن لديه هو محاولة مستمرة لرأب صدع الذاكرة ولملمة شتات الهوية، تماما كما تلملم الخياطة والرتوق جراح القماش في لوحاته وتتجلى فلسفة السنوسي في استخدامه لـ “كثافة المادة” كأداة تعبيرية، حيث لا يكتفي بالسطح المستوي، لكنه في الأن نفسه يغوص في طبقات الوجود عبر ألوان ترابية تذكرنا بشمس الصويرة ومخطوطاتها العتيقة، يتخللها أحمر قاني يبرز كصرخات شعورية تكسر صمت التجريد ، حيث يختزل العالم في أشكال هندسية وأقواس تستحضر عمارة الصويرة الأزلية، بينما تتحول الرموز التي تشبه الأوشام الأمازيغية والطلاسم الروحية إلى “لهجة تشكيلية” بليغة تتحدث لغة محلية بهوية أفريقية كونية
إن اللوحة عند السنوسي كائن عضوي متمرد، لا تلتزم دائما بحدود الإطار التقليدي، بل تنحني وتتمدد لتشكل وحدات بصرية تشبه الآلات الموسيقية الصامتة، مما يفرض على المشاهد أن “يسمع” الألوان قبل أن يراها، إننا أمام فنان يسكن منطقة البرزخ بين الفطرة والاحترافية، يقدم لنا الصويرة او موغادور لا كما تظهر في البطاقات البريدية، لكن كما نشعر بملمس جدرانها الملحية وصمت أسوارها وأبراجها التاريخية، وفي صخب ألوانها المختبئة تحت الظلال و يظل معرض محمد السنوسي دعوة صريحة للتأمل في اللغة حين تفقد حروفها الأبجدية وتستعيض عنها بنبض المادة، محولة الصمت البصري إلى حوار فلسفي مفتوح على اللانهاية
“إن محمد السنوسي في هذا المعرض لا يرسم بالفرشاة بقدر ما يكتب بالوجدان، محولا الصمت البصري إلى لغة تشكيلية بليغة”