من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العالم

حين تتكلم القيم: لقاء “لا للعنف” يعيد تشكيل وعي الناشئة من داخل المدرسة

** بوحجلة يوسف 

في خضم زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية وتتشابك فيه المؤثرات الرقمية والسلوكية، لم يعد الفعل التربوي مجرد نقل للمعرفة، بل أضحى مشروعا إنسانيا متكاملا يهدف إلى صيانة الكائن الناشئ من الانزلاق في متاهات العنف والاغتراب. من هذا المنطلق، احتضنت الثانوية الإعدادية العربي بن الصديق بمنطقة المحاميد لقاء تحسيسيا موسوما بشعار “لا للعنف”، لكنه في عمقه كان دعوة لإعادة اكتشاف معنى الإنسان داخل الإنسان. لقد تجاوز هذا اللقاء حدود التوعية التقليدية، ليلامس جوهر العلاقة بين الفرد ومحيطه، حيث تم التأكيد على أن التواصل الأسري ليس مجرد تبادل للكلمات، بل هو فعل وجودي يؤسس للثقة، ويمنح الناشئة حصانة داخلية ضد كل أشكال الانحراف
فحين يغيب الحوار، يتكلم الصمت بلغة العنف. كما أثيرت إشكالية الألعاب الرقمية، لا باعتبارها شرا مطلقا، بل كمرآة تعكس هشاشة التوازن بين الحرية والمسؤولية. فالإفراط فيها لا يسرق الوقت فقط، بل يعيد تشكيل الوعي بطريقة قد تفرغ التعلم من معناه، وتثقل النفس بعزلة صامتة. وفي سياق متصل، تم التوقف عند ظاهرة الرفقة السيئة، باعتبارها أحد أخطر المحددات الخفية لمسار الفرد، إذ قد تتحول الصداقة من فضاء للدعم إلى قوة جذب نحو السلوك المنحرف، حين تغيب البوصلة القيمية
وهنا يبرز السؤال الفلسفي: هل نحن من نختار محيطنا، أم أن محيطنا هو من يعيد تشكيلنا؟ اللقاء، الذي أطره الممتاز إبراهيم السباقي بتنسيق مع خلية التحسيس بالوسط المدرسي، اعتمد مقاربة تفاعلية جعلت من التلميذ شريكا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ سلبي. فالحوار، حين يبنى على الإصغاء، يتحول إلى أداة لتحرير الفكر، وإعادة تشكيل القناعات. وقد عكس التفاعل الإيجابي من طرف التلاميذ وأولياء أمورهم، وكذا جمعية الآباء، تعطشا حقيقيا لمثل هذه المبادرات التي لا تكتفي بتقديم الأجوبة، بل تثير الأسئلة العميقة حول الذات والمجتمع. وفي ختام هذا الموعد التربوي، لم يكن التأكيد على استمرارية هذه اللقاءات مجرد توصية تنظيمية، بل كان إقرارا بأن الوقاية ليست حدثا عابرا، بل مسار طويل لبناء إنسان قادر على الاختيار، وعلى مقاومة كل أشكال العنف، الظاهر منها والخفي. إن المدرسة، في هذا الأفق، لا تختزل في جدرانها، بل تمتد لتصبح فضاء لصناعة الوعي، حيث يصاغ المستقبل لا بالمعرفة فقط، بل بالقيم التي تمنح تلك المعرفة معناها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى